بمحلٍّ واحدٍ، وهذه المباينة معناها أن هذا غير هذا. وهذا القدر الذي أثبته النفاة من المباينة لا ينافي كونه حالًّا في غيره ولا حلول غيره فيه، ولا تقتضي قيامه بنفسه ولا انفصال ذاته عن ذات خلقه، بل ولا يقتضي تنزيهه عن التشبيه والتمثيل.
وأمَّا المباينة التي دلَّ عليها العقل والنقل والفطرة فأعظم من ذلك، فإنها مباينة تستلزم تفرده بصفات كماله ونعوت جلاله، وكونه أعظم من كل شيءٍ، وفوق كل شيءٍ، وعاليًا على كل شيءٍ، وأن يكون هو الأول الذي ليس قبله شيءٌ، والآخر الذي ليس بعده شيءٌ، والظاهر الذي ليس فوقه شيءٌ، والباطن الذي ليس دونه شيءٌ؛ فباين خلقه بذاته وصفاته وأفعاله وأوليته وآخريته ووجوب وجوده وامتناع عدمه وكثرة أوصافه التي ليس كمثله فيها شيءٌ. فهو العليم الذي ليس كمثله شيءٌ في علمه، البصير الذي ليس كمثله شيءٌ في بصره، القدير الذي ليس كمثله شيءٌ في قدرته، الحي القيوم الذي ليس كمثله شيءٌ في حياته وقيوميته، العلي الذي ليس كمثله شيءٌ١ في علوه؛ بل هو منفرد بذاته وصفاته عن مماثلة مخلوقاته، فله أعظم المباينة وأجلُّها وأكملها، كما له من كل صفة كمالٍ أعظمها وأكملها. فهذه هي المباينة التي لا يليق به غيرها. فأثبت له النُّفاة المعطلة مباينة لا حقيقة لها، ولا ترجع إلى أمرٍ وجوديٍّ، بل المباينةُ التي أثبتوها من جنس مباينة العدم للوجود، والمباينةُ التي أثبتها لنفسه مباينة٢ فوق كل مباينة.
(١) «شيء» سقط من «ح».
(٢) «ح»: «مباينته». والمثبت هو الصواب.
فصل
الطريق الثلاثون١: أنه لو لم يكن مباينًا للعالم لزم أحد أمور ثلاثةٍ، قد قال بكلٍّ منها قائلٌ:
أحدها: أن يكون هو هذا العالم، كما قال أهل وحدة الوجود. والذي قادهم إلى هذا القول هو نفي المباينة، كأن قلوبهم وفِطَرهم طلبت معبودًا، فلمَّا اعتقدوا أنه غير مباين للعالم وتيقنوا أنه موجودٌ قائمٌ بنفسه قالوا: فهو هذا العالم بعينه.
الثاني: قول من يقول: بل هو حالٌّ في العالم. وهو قول الحلولية.
الثالث: قول من يقول: لا هو العالم ولا هو حالٌّ فيه ولا بائن عنه ولا متصل به ولا منفصل عنه. وهو قول الجهمية.
ومعلومٌ أنه إذا عُرض على العقول الصحيحة هذه الأقوال الأربعة٢ علمت أن الصواب منها القول بأنه سبحانه بائنٌ من خلقه. وإذا كان٣ القولان الآخران مخالفين لصريح العقل، فالقول الرابع٤ أشد مخالفة لصريح العقل منهما؛ لأنه يتضمن نفي النقيضين. وإن كان ممكنًا في العقل فالقولان أقرب إلى الإمكان منه. فأمَّا أن يكون واجبًا والقولان مخالفان [للعقل]٥، فهذا تحكمٌ باطلٌ.
(١) «ح»: «الحادي والثلاثون». وهذا هو الوجه السابع والسبعون بعد المائة.
(٢) يعني: القول بأنه سبحانه مباين للعالم إضافة إلى الأقوال الثلاثة المذكورة.