الحمد لله الذي أنزل الفرقان، وجعل فيه التبيان، وضمَّنَه الأقسامَ والأيمان، نحمده على جزيل الإحسان، وعظيم الامتنان، وهو المستحقُّ لكلِّ حمدٍ في كل آن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فهذا كتابٌ عظيمُ النَّفْع، طيِّبُ الوَقْع، سال فيه قلم ابن القيم ﵀ بالفوائد المحرَّرة، والفرائد المبتكرة، حتَّى فاض واديه فبلغَ الروابي، وملأ الخوابي، قصدَ فيه جمعَ ما ورد في القرآن الكريم من الأيمان الربَّانية وما يتبعها من أجوبتها وغاياتها وأسرارها، فبَرعَ وتفنَّن، ثُمَّ قعَّد وقَنَّن، ولا غَرْوَ في ذلك فإنَّه "شمس الدِّين".
وقد اعتنى أهل العلم بالأيمان والأقسام من قديم، فأفردوها بالتصنيف على قلَّةٍ في ذلك، إلا أنَّ أغراضهم ومقاصدهم تنوَّعت من تآليفهم؛ فمن ذلك:
أنَّ جماعةً من علماء العربية صنَّفوا فيما ورد عن العرب من الأيمان والأقسام، كما فعل أبو العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب (٢٩١ هـ) فصنَّف "كتاب الأيمان"١، وكذلك صنَعَ: عَسل بن ذكْوَان العسكري النحوي - في طبقة المبرِّد - كتابَ "أقسام العربية"٢، وجمَعَ
أبو إسحاق النَّجِيرَمي (٤٢٣ هـ) في كتابِ لطيفٍ "أيمان العرب"١.
ورامَ جماعةٌ من الأئمة جمع ما ورد في الأيمان من الرواية والدراية كما فعل الإمام أبو عبيد القاسم بن سلَّام (٢٢٣ هـ) في كتابه "الأيمان والنذور"٢.
وألَّف الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي (٦٠٠ هـ) جزءًا سمَّاه: "الأقسام التي أقسم بها النبيُّ ﷺ"٣.
وأفردَ الإمام أبو الحسينِ محمد بن القاضي أبي يعلى (٥٢٦ هـ) جزءًا لطيفًا في المسائل التي حَلَف عليها الإمام أحمد٤.
و"أقسام القرآن" من ذيَّاك القبيل، وقد عدَّه السيوطي في "الإتقان" (٢/ ١٠٤٨) نوعًا من أنواع علوم القرآن، وتبعه طاش كبري زاده في "مفتاح السعادة" (٢/ ٥٤٠) حيث جعله فرعًا من فروع التفسير٥، فعِلْمٌ هذا شأنه لا يستغرب بعد ذلك أن يحتفي به العلماء ويخصُّوه بعناية زائدة ويفردوه بمصنفاتٍ خاصَّة.
وهذا الكتاب المبارك بدأته بمقدِّمة دراسية تتعلق بالكتاب وموضوعه، وجعلتها على قسمين:
(١) طبع في المطبعة السلفية بمصر، سنة ١٣٤٣ هـ.
(٢) انظر: "إنباه الرواة" (٣/ ٢٢).
(٣) انظر: "السير" (٢١/ ٤٤٧).
(٤) طبع بدار العاصمة - الرياض، سنة ١٤٠٧ هـ، بتحقيق: محمود بن محمد الحداد.