قال أرباب هذا القول: قد أقسم الله - تعالى - بهذه الأشياء التي ذكرها؛ لأنَّها تدلُّ على وحدانيته، وعلى فلاح مَنْ طَهَّره، وخسارة من خَذَلَهُ، حتَّى لا يظُنَّ أحدٌ أنَّه هو الذي يتولَّى تطهيرَ نفسه، وإهلاكَها بالمعصية؛ من غير قَدَرٍ سابقٍ، وقضاءٍ متقدِّمٍ٢.
قالوا: وهذا أبلغ في التوحيد الذي سيقت له هذه السورة.
قالوا: ويدلُّ عليه قوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨﴾[الشمس: ٨].
قالوا: ويشهد له حديث نافع بن عمر٣، عن ابن أبي مُلَيكة، عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: انتبهتُ ليلةً؛ فوجدتُ رسولَ الله ﷺ -وهو يقول: "ربِّ؛ أعْطِ نفسي تقواها، وزكِّها أنتَ خير من زكَّاها، أنت وَليُّها ومولاها"٤.
(٢) هذا كلام أبي الحسن الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٩٧).
(٣) هو نافع بن عمر بن عبد الله بن جميل الجُمَحي، القرشي المكِّي، ثقةٌ ثبتٌ، روى له الجماعة، توفي سنة (١٦٩ هـ) ﵀. انظر: "تهذيب الكمال" (٢٩/ ٢٨٧)، و"الثقات" لابن حبان (٧/ ٥٣٣).
(٤) أخرجه بهذا الإسناد أبو الحسن الواحدي في تفسيره "الوسيط" (٤/ ٤٩٨). وقد أخرجه أحمد في "المسند" (٦/ ٢٠٩) رقم (٢٥٧٥٧) فقال: حدثنا وكيع، عن نافع - يعني ابنَ عمر -، عن صالح بن سعيد، عن عائشة ﵂، فذكره. وذكر الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة" (١/ ٦٥٢) أن هذا الحديث من رواية: صالح بن سعيد، عن عائشة ﵂. =
قالوا: فهذا الدعاء هو تأويل الآية، بدليل الحديث الآخر: أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩﴾ وقَفَ، ثُمَّ قال: "اللهُمَّ؛ آتِ نفسي تقواها، أنت وليُّها ومولاها، وزكِّها أنت خير من زكَّاها"١.
قالوا: وفي هذا ما يبيِّنُ أنَّ الأمر كلَّه له سبحانه، فإنَّه هو٢ خالق
= وصالح بن سعيد قد ذكره ابن حِبَّان في "الثقات" (٤/ ٣٧٦)، وقال الهيثمي عن الحديث: "رجاله رجال الصحيح غير صالح بن سعيد الراوي عن عائشة، وهو ثقة". "مجمع الزوائد" (٢/ ١٢٧ - ١٢٨) و(١٠/ ١١٠). وحديث ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ له لفظ آخر صحيح، وهو: "افتقدتُ النبي ﷺ ذات ليلة، فظننتُ أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسَّسْتُ، ثم رجعتُ، فإذا هو راكعٌ أو ساجدٌ يقول: "سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت"، فقلتُ: بأبي أنتَ وأمي؛ إنِّي لفي شأنٍ، وإنَّك لفي آخر". أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (٤٨٥). لكن لفظ الحديث الذي أورده ابن القيم قد صحَّ من حديث زيد بن أرقم ﵁ كما في "صحيح مسلم" رقم (٢٧٢٢) بلفظ: "اللهم آتِ نفسي تقواها. . . إلخ".
(١) أخرجه: الطبراني في "المعجم الكبير" (١١/ ٨٧) رقم (١١١٩١)؛ من حديث ابن عباس ﵄. وعزاه السيوطي إليه وإلى: ابن المنذر، وابن مردويه. "الدر المنثور" (٦/ ٦٠٠). وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه: ابن أبي عاصم في "السنَّة" رقم (٣١٩). وعزاه ابن كثير إلى: ابن أبي حاتم "تفسير القرآن" (٨/ ٤١٣)، وإليه وإلى ابن مردويه عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٦٠٠). وحسَّنه: الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٣٨)، والألباني بشواهده كما في "ظلال الجنة" رقم (٣١٩).