التبيان

والضلالة، كما قال - تعالى - في وَصْفِهم١: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وقال تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] أي: مُوجبَةً لهم التبصُّر واليقين، وإن كان جميع الأمَم المُهْلَكَةِ هذا شأنهم؛ فإنَّ الله لم يُهْلِك أُمَّةً إلا بعد قيام الحُجَّةِ عليها، لكن خُصَّت ثمود من ذلك الهُدَى والبصيرة بمزيد، ولهذا لمَّا قَرَنَهم بـ "عادٍ" قال: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ الآية [فصلت: ١٥]، ثُمَّ قال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧].

ولهذا أَمْكَنَ عادًا المُكابَرَةُ، وأن يقولوا لنبيِّهم: ﴿مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣]، ولم يمكن ذلك ثمودًا، وقد رأَوا البيِّنَةَ عِيَانًا، وصارت لهم بمنزلة رؤية الشمس والقمر، فرَدُّوا الهُدَى بعد تيقُّنهِ والبصيرةِ التامَّةِ به، فكان في تخصيصهم بالذِّكر تحذيرٌ لكلِّ من عرف الحقَّ ولم يتَّبعْهُ، وهذا داء أكثر الهالكين، وهو أَعَمُّ الأدواء وأغلبُها على أهل الأرض، والله ﷾ أعلم.

  1. (١) من (ح) و(م)، وسقط من باقي النسخ.
39

فصل

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥﴾ [الفجر: ١ - ٥].

قيل١: جوابه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤﴾ [الفجر: ١٤].

وهذا ضعيفٌ لوجهين:

أحدهما: طولُ الكلام والفصل بين القَسَم وجوابه بِجُمَلٍ كثيرةٍ.

والثاني: أنَّ قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤﴾ ذُكِر تقريرًا لعقوبةِ اللهِ الأُمَمَ المذكورةَ وهي: عادٌ، وثمودُ، وفرعونُ. فذكر عقوبتهم ثُمَّ قال مقرِّرًا ومحذِّرًا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤﴾، أفلا٢ ترى تعلُّقَهُ بذلك دون القَسَم؟!

وأحسن من هذا أن يقال: إنَّ "الفجرَ" و"اللياليَ العشر" زمنٌ يتضمَّنُ أفعالًا معظَّمَةً، و"العشر" هو عشر ذي الحِجَّة وهو يتضمَّنُ أفعالًا معظَّمَةً٣ من المناسك، وأمكنةً معظَّمَةً، وهي مَحَلُّها، وذلك من شعائر الله المتضمِّنَةِ خضوع العبد لربِّه، فإنَّ الحجَّ والنُّسُكَ عبوديةٌ محضةٌ لله، وذُلٌّ وخضوعٌ لعظمته. وذلك ضدُّ ما وصف به عادًا، وثمودًا، وفرعونَ؛ من العُتُوِّ والتكبُّر والتجبُّرِ؛ فإنَّ النُّسُكَ يتضمَّنُ غاية الخضوع لله، وهؤلاء

  1. (١) قال به: ابن الأنباري، والزجَّاج في "معاني القرآن" (٥/ ٣٢١).
    واختاره: الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٨١)، والسمعاني في "تفسيره" (٦/ ٢٢١)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ٢٤١).
  2. (٢) من (ح) و(م)، وفي غيرهما: "فلا".
  3. (٣) من قوله: "و"العشر" هو عشر. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).
40

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي