أحدهما: طولُ الكلام والفصل بين القَسَم وجوابه بِجُمَلٍ كثيرةٍ.
والثاني: أنَّ قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤﴾ ذُكِر تقريرًا لعقوبةِ اللهِ الأُمَمَ المذكورةَ وهي: عادٌ، وثمودُ، وفرعونُ. فذكر عقوبتهم ثُمَّ قال مقرِّرًا ومحذِّرًا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤﴾، أفلا٢ ترى تعلُّقَهُ بذلك دون القَسَم؟!
وأحسن من هذا أن يقال: إنَّ "الفجرَ" و"اللياليَ العشر" زمنٌ يتضمَّنُ أفعالًا معظَّمَةً، و"العشر" هو عشر ذي الحِجَّة وهو يتضمَّنُ أفعالًا معظَّمَةً٣ من المناسك، وأمكنةً معظَّمَةً، وهي مَحَلُّها، وذلك من شعائر الله المتضمِّنَةِ خضوع العبد لربِّه، فإنَّ الحجَّ والنُّسُكَ عبوديةٌ محضةٌ لله، وذُلٌّ وخضوعٌ لعظمته. وذلك ضدُّ ما وصف به عادًا، وثمودًا، وفرعونَ؛ من العُتُوِّ والتكبُّر والتجبُّرِ؛ فإنَّ النُّسُكَ يتضمَّنُ غاية الخضوع لله، وهؤلاء
(١) قال به: ابن الأنباري، والزجَّاج في "معاني القرآن" (٥/ ٣٢١). واختاره: الواحدي في "الوسيط" (٤/ ٤٨١)، والسمعاني في "تفسيره" (٦/ ٢٢١)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ٢٤١).
(٢) من (ح) و(م)، وفي غيرهما: "فلا".
(٣) من قوله: "و"العشر" هو عشر. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ح) و(م).
الأُمَم عَتَوا وتكبَّرُوا عن أمر ربِّهم.
وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ أيامٍ العَمَلُ الصالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى الله من هذه الأيامِ العَشْرِ" قيل: يا رسول الله؛ ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ، إلَّا رجلٌ خَرَجَ بنفسِه ومالِه ثُمَّ لم١ يرجع من ذلك بشيء"٢. فالزَّمَانُ المتضمِّنُ لمثل هذه الأعمال أهلٌ أن يُقْسِمَ الرَّبُّ ﷿ به.
﴿وَالْفَجْرِ ١﴾: -
إن أُريد به جِنْسُ "الفجر" - كما هو ظاهر اللفظ - فإنَّه يتضمَّنُ وقت صلاة الصبح، التي هي أوَّل الصلوات. فافتتح القَسَم بما يتضمَّنُ أوَّل الصلوات، وختمه بقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤﴾ المتضمِّن لآخر الصلوات.
وإن أُريد بـ "الفجر" فجرٌ مخصوصٌ، فهو فجرُ يوم النَّحْرِ وليلته، التي هي ليلة عرفة، فتلك الليلة من أفضل ليالي العام، وما رُئي الشيطانُ في ليلة أَدْحَر، ولا أَحْقَر، ولا أَغْيَظ منه فيها٣. وذلك "الفجر": فجر
(١) كذا في النسخ، وفي المصادر: "فلم".
(٢) أخرجه البخاري في "صحيحه" رقم (٩٢٦) بلفظ قريبٍ منه. وأما لفظ الحديث الذي ذكره المؤلف هنا فهو عند أبي داود في "سننه" رقم (٢٤٣٨)، والترمذي في "سننه" رقم (٧٥٧)، وابن ماجه في "سننه" رقم (١٧٥٣) وغيرهم.
(٣) يشير إلى حديث طلحة بن عبيد الله بن كَرِيز: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما رُئي الشيطان يومًا هو فيه أصغرُ، ولا أدحرُ، ولا أحقرُ، ولا أغيظُ؛ منه في يوم عرفة … الحديث". أخرجه: مالك في "موطئه" رقم (٢٤٥) مرسلًا، ومن طريقه عبد الرزاق في =