التبيان

والمخلوق، فهو نظير ما تقدَّم في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ١﴾ [الشمس: ١]، وفي قوله: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ٣﴾ [البروج: ٣]، وفي قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ٣﴾ [الليل: ١ - ٣].

وقال ههنا: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤﴾ [الفجر: ٤]، وفي "سورة المدثر" أقسَمَ بالليل إذا أدبر، وفي "سورة التكوير" أقسَمَ بالليل إذا عَسْعَس١، وقد فُسِّر بـ "أَقْبَل"، وفُسِّر بـ "أَدْبَر"؛ فإن كان المراد إقباله فقد أقسَمَ بأحوال الليل الثلاثة، وهي: حالةُ إقباله، وحالةُ امتدادِه وسريانه، وحالةُ إدباره، وهي من آياته الدالَّةِ عليه سبحانه.

وعرَّفَ "الفجر" باللَّام إذ كلُّ أحدٍ يعرفه، ونكَّرَ الليالي العشر؛ لأنَّها إنَّما تُعرف بالعلم.

وأيضًا؛ فإنَّ في التنكير تعظيمًا لها، فإنَّ التنكير يكون للتعظيم.

وفي تعريف "الفجر" ما يدلُّ على شهرته، وأنَّه "الفجر" الذي يعرفه كلُّ أحدٍ ولا يجهله.

فلمَّا تضمَّن هذا القَسَمُ تعظيمَ ما جاء به إبراهيم ومحمد - صلَّى الله عليهما وسلم - كان في ذلك ما دلَّ على المُقْسَمِ عليه، ولهذا عقَّبَ القَسَم بقوله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥﴾ [الفجر: ٥]، فإنَّ عظمة هذا المُقْسَم به يُعرف بالنُّبوَّة، وذلك يحتاج إلى حِجْرٍ يَحْجُرُ صاحبَه عن الغفلة واتباع الهوَى، ويحمله على اتباع الرُّسُل، لئلا يصيبه ما أصاب من كذَّب الرُّسُل كـ: عاد، وفرعون، وثمود.

  1. (١) في (ز): غسق! وهو خطأ.
48

ولمَّا تضمَّن ذلك مَدْحَ الخاضعين والمتواضعين؛ ذكرَ بعد ذلك حال المتكبِّرين المتجبِّرين الطاغين، ثُمَّ أخبر أنه صبَّ عليهم سَوْط عذاب؛ أي: سوطًا من عذاب. ونكَّره: إمَّا للتعظيم؛ وإمَّا لأنَّ يسيرًا من عذابه استأصلهم وأهلكهم، ولم يكن لهم معه بقاءٌ ولا ثباتٌ.

ثُمَّ ذكر حال المُوَسَّعِ عليهم في الدنيا والمُقَتَّرِ عليهم، وأخبر أنَّ توسعته على من وَسَّع عليه -وإن كان إكرامًا له في الدنيا - فليس ذلك إكرامًا على الحقيقة، ولا يدلُّ على أنَّه كريمٌ عنده، ولا هو١ من أهل كرامته ومحبته، وأنَّ تقتيره على من قتَّر عليه لا يدلُّ على إهانته له، وسقوط منزلته عنده، بل يوسِّع ابتلاءً وامتحانًا، ويقتِّر ابتلاءً وامتحانًا، فيبتلي بالنِّعَم كما يبتلي بالمصائب، وهو - سبحانه - يبتلي عبدَهُ بنعمةٍ تجلب له أُخرى، وبنعمةٍ تجلب له نِقْمةً، وبنقْمةٍ تجلب له أُخرى، وبنقمةٍ تجلب له نعمةً٢، فهذا شأنُ نِعَمِهِ ونقَمِهِ سبحانه.

وتضمَّنَت هذه السورة ذَمَّ من اغترَّ بقوَّتِه، وسلطانِه، ومالِه، وهم هؤلاء الأُمَم الثلاثة:

"قوم عاد": اغترُّوا بقوَّتهم.

و"ثمود": اغترُّوا بجِنَانهم، وعيونهم، وزروعهم، وبساتينهم.

و"قوم فرعون": اغترُّوا بالمال والرِّيَاسَة.

  1. (١) "ولا هو" ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) في (ك) و(ح) و(م) تقديم وتأخير بين الجمل الأربع.
49

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي