التبيان

آدم"١.

وقال سعيد بن أبي الحسن٢: "يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة"٣.

وقال قتادة: "يكابد أمر الدنيا والآخرة، فلا تلقاهُ إلا في مشقَّةٍ".

وروى ابن جُريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: "يعني: حَمْلَهُ، وولادتَهُ، ورضاعَهُ، وفِصَالَهُ، ونَبْتَ أسنانه، وحياتَهُ، ومعاشَهُ، وموتَهُ؛ كل ذلك شِدَّة"٤.

قال مجاهد: "حملته أُمُّه كُرْهًا، ووضعته كُرْهًا، ومعيشته في

  1. (١) أخرجه: ابن المبارك في "الزهد" رقم (٢١٦)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٨٨)، والبغوي في "مسند ابن الجعد" رقم (٣٤٠٢)، ومن طريقه الواحديُّ في "الوسيط" (٤/ ٤٨٩)؛ وإسناده حسن.
  2. (٢) هو سعيد بن أبي الحسن البصري، أخو الحسن البصري، ثقةٌ من قرَّاء أهل البصرة، كان أصغر من أخيه الحسن، روى له الجماعة، توفي بفارس سنة (١٠٨ هـ) ﵀.
    انظر: "طبقات ابن سعد" (٧/ ١٧٨)، و"تهذيب الكمال" (١٠/ ٣٨٥).
  3. (٣) أخرجه: ابن المبارك في "الزهد" رقم (٢١٧)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٨٨)، والبغوي في "مسند ابن الجعد" رقم (٣٤٠٣)؛ بسندٍ لا بأس به.
    وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم. "الدر المنثور" (٦/ ٥٩٤).
  4. (٤) أخرجه: ابن جرير في "تفسيره" (١٢/ ٥٨٨) رقم (٣٧٢٦٦)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥٢٣) وصححه على شرط الشيخين.
    وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٥٩٣) إلى: الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
53

شِدَّة، فهو يكابد ذلك".

وعلى هذا: "الكَبَدُ": من مكابدة الأمر، وهي معاناة شدَّته ومشقَّته. والرجلُ يكابدُ الليل: إذا قاسى هَوْلَه وصعوبته.

و"الكَبَدُ": شِدَّة الأمر، ومنه تكبَّد اللَّبَنُ: إذا غَلُظَ واشتدَّ. ومنه "الكَبِد"؛ لأنِّها دَمٌ يَغْلُظ ويَشْتدُّ.

وانتصابُ القامة والاستواء من ذلك، لأنَّه إنَّما يكون عن قوَّةٍ وشدَّةٍ.

فالإنسان مخلوقٌ في شِدَّةٍ؛ بكونه١ في "الرَّحِم"، ثُمَّ في القِمَاط٢ والرِّبَاط، ثُمَّ هو على خطرٍ عظيمٍ عند بلوغه حال التكليف، ومكابدة المعيشة، والأمر والنهي، ثُمَّ مكابدة الموت وما بعده في البرزخ، وموقف القيامة، ثُمَّ مكابدة العذاب والنَّار، ولا راحة له إلا في الجنَّة.

وفُسِّر "الكَبَدُ" بشدَّةِ الخَلْق، وإحكَامه، وقوَّته، ومنه قول لبيد٣:

يا عينُ٤ هَلَّا بَكَيْتِ أَرْبَدَ، إذْقُمْنَا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدِ؟

أي: في شِدَّةٍ وعَنَاءٍ٥.

  1. (١) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: فكونه.
  2. (٢) "القِمَاط": الخرقة العريضة التي تُلَفُّ على الصبي في المهد، وتُشَدُّ على أعضائه لضمِّها.
    انظر: "لسان العرب" (١١/ ٣٠٣).
  3. (٣) "ديوان لبيد بن ربيعة" بشرح الطوسي (٧١).
  4. (٤) في جميع النسخ: عيني، بدل: (يا عين)، والتصحيح من الديوان.
  5. (٥) هذا التفسير لهذا البيت يصلح شاهدًا للمعنى السابق في تفسير "الكَبَد" وهو مكابدة الأمر، وليس لتفسيره بشدَّة الخلق وإحكامه.
54

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي