وانتصابُ القامة والاستواء من ذلك، لأنَّه إنَّما يكون عن قوَّةٍ وشدَّةٍ.
فالإنسان مخلوقٌ في شِدَّةٍ؛ بكونه١ في "الرَّحِم"، ثُمَّ في القِمَاط٢ والرِّبَاط، ثُمَّ هو على خطرٍ عظيمٍ عند بلوغه حال التكليف، ومكابدة المعيشة، والأمر والنهي، ثُمَّ مكابدة الموت وما بعده في البرزخ، وموقف القيامة، ثُمَّ مكابدة العذاب والنَّار، ولا راحة له إلا في الجنَّة.
يا عينُ٤ هَلَّا بَكَيْتِ أَرْبَدَ، إذْقُمْنَا وقامَ الخُصُومُ في كَبَدِ؟
أي: في شِدَّةٍ وعَنَاءٍ٥.
(١) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: فكونه.
(٢) "القِمَاط": الخرقة العريضة التي تُلَفُّ على الصبي في المهد، وتُشَدُّ على أعضائه لضمِّها. انظر: "لسان العرب" (١١/ ٣٠٣).
(٣) "ديوان لبيد بن ربيعة" بشرح الطوسي (٧١).
(٤) في جميع النسخ: عيني، بدل: (يا عين)، والتصحيح من الديوان.
(٥) هذا التفسير لهذا البيت يصلح شاهدًا للمعنى السابق في تفسير "الكَبَد" وهو مكابدة الأمر، وليس لتفسيره بشدَّة الخلق وإحكامه.
وهذا يشبه قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾[الإنسان: ٢٨]، قال ابن عباس: "أي: خَلْقَهُم"١.
وقال أبو عبيدة٢: "الأَسْر": شِدَّةُ الخَلْق، يقال: فَرَسٌ شديدُ الأَسْر". قال: "وكُلُّ شيءٍ شَدَدْتَهُ من قَتَبٍ أو غَبِيطٍ٣ فهو مأْسُور"٤.
وقال المُبرِّد٥: ""الأَسْر": القُوَى كلُّها"٦.
(١) وهو قول: مجاهد، وقتادة، والفرَّاء، وابن قتيبة، والزجَّاج، ومقاتل وغيرهم. وعليه أكثر المفسرين، واختاره ابن جرير الطبري وغيره. انظر: "جامع البيان" (١٢/ ٣٧٥)، و"زاد المسير" (٨/ ١٥١)، و"الجامع" (١٩/ ١٤٩)، و"تفسير الماوردي" (٦/ ١٧٣).
(٢) تصحفت في (ن): أبو عبيد! وهو مَعْمَر بن المثنَّى، أبو عبيدة التيمِيّ البصري، العلامة البحر، من أعلم الناس بأيام العرب وأخبارها، وكان علي بن المديني يحسن ذكره ويصحح روايته، رُمي بالشعوبية، وأنه من الخوارج، وأشياء أُخَر، قارَبَتْ مصنفاته مئتي مصنَّفٍ، توفي سنة (٢١٠ هـ) ﵀. انظر: "إنباه الرواة" (٣/ ٢٧٦)، و"نزهة الألباء" (١٠٤)، و"السير" (٩/ ٤٤٥).
(٣) في جميع النسخ: أو غيره، والتصحيح من "مجاز القرآن". قال المبرِّد: "و"الغَبِيط": مَرْكَبٌ من مراكب النساء". "الكامل" (٢/ ٩٦٥).
(٤) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة (٢/ ٢٨٠).
(٥) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الثُّمَالي، أبو العباس المبرِّد، إمام البصريين، وشيخ النُّحَاة، كان كثير الحفظ، فصيح اللسان، غزير الأدب، مقدَّمًا عند الوزراء والأكابر، كتبه كثيرةٌ ونافعةٌ، من ذلك: "المقتضَب"، و"التعازي والمراثي"، و"الكامل" ومن أمثال أهل المغرب: من لم يقرأ "الكامل" فليس بكامل، توفي بالكوفة سنة (٢٨٦ هـ) ﵀. انظر: "نزهة الألباء" (٢١٧)، و"إنباه الرواة" (٣/ ٢٤١).
(٦) قال المبرِّد: ""الأَسْرُ": الشَّدُّ بالقِدِّ حتى يُحْكَم، وإنما قيل "الأسير" مِنْ ذا؛ =