والمقصود أنَّه - سبحانه - أقسَمَ في "سورة البلد" على حال الإنسان، وأقسَمَ - سبحانه - بالبلد الأمين وهو "مكة" أمُّ القُرَى، ثُمَّ أقسَمَ بالوالد وما ولد، وهو آدمُ وذريته في قول جمهور المفسِّرين.
وعلى هذا فقد تضمَّن القَسَمُ: أصلَ المكان، وأصلَ السكَّان؛ فمرجع البلاد إلى "مكة"، ومرجع العباد إلى آدم.
وقوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ٢﴾ فيه قولان:
أحدهما: أنَّه من الإحلال، وهو ضِدُّ الإحرام٢.
والثاني: أنَّه من الحُلُول، وهو ضِدُّ الظَّعْن٣.
(١) في (ك) و(ن): يقبضا، وسقط من (ز)، والمثبت من المصادر. وانظر قول مجاهد في: "تفسير البغوي" (٨/ ٣٠٠)، و"الوسيط" للواحدي (٤/ ٤٠٦)، و"تفسير السمعاني" (٦/ ١٢٣)، و"الجامع" للقرطبي (١٩/ ١٤٩). وبمثله قال: ابن الأعرابي، وغلام ثعلب من أئمة اللغة. انظر: "ياقوتة الصراط" لغلام ثعلب (٥٤٨)، و"تهذيب اللغة" (١٣/ ٦١)، و"تاج العروس" (١٠/ ٥١).
(٣) لم يُعْزَ هذا القول لأحد من السلف، وإنما ذكره الماوردي احتمالًا، وقال موجهًا له: "لأنها نزلت عليه وهو بمكة لم يُفرض عليه الإحرام، ولم يؤذن له في القتال، وكانت حرمة مكة فيها أعظم، والقَسَم بها أفخم". "النكت والعيون" (٦/ ٢٧٤ - ٢٧٥). وذكره أيضًا: السمعاني في "تفسيره" (٦/ ٢٢٥)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (١٥/ ٤٥٤)، والقرطبي في "الجامع" (٢٠/ ٦١). واختاره وانتصر له: أبو حيَّان في "البحر المحيط" (٨/ ٤٦٩)، والشهاب =
فإن أريد به المعنى الأوَّل فهو حالُ ساكِنِ البلد، بخلاف المحرم الذي يحجُّ ويعتمر ويرجع. ولأنَّ أَمْنَهُ إنَّما تظهر به النِّعمة عند الحِلِّ١ من الإحرام، وإلا ففي حال الإحرام هم في أَمَانٍ، والحُرْمةُ هناك للفعل لا للمكان.
والمقصود إنَّما هو ذكر حُرْمة المكان، وهي إنَّما تظهر بحال الحَلَال الذي لم يتلبَّس بما يقتضي أَمْنَهُ، ولكن على هذا ففيه تنبيهٌ؛ فإنَّه إذا أقسَمَ به، وفيه الحلال، فإذا كان فيه الحرام فهو أَوْلَى بالأمْنِ والتعظيم.
وكذلك إذا أُرِيد المعنى الثاني وهو الحلول، فهو متضمِّنٌ لهذا
= الخفاجي، والقاسمي في "محاسن التأويل" (٧/ ٣٢٤). قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ﵀ في "التحرير والتنوير" (١٥/ ٣٤٨): "وحكى ابن عطية عن بعض المتأولين: أن معنى "وأنت حِلٌّ بهذا البلد" أنه حالٌّ، أي: ساكنٌ بهذا البلد. وجعله ابن العربي قولًا ولم يَعْزُه إلى قائل، وحكاه القرطبي والبيضاوي كذلك، وهو يقتضي أن تكون جملة "وأنتَ حِلٌّ" في موضع الحال من ضمير "أُقْسِمُ"، فيكون القَسَم بالبلد مقيدًا باعتبار كونه بلَدَ محمدٍ ﷺ، وهو تأويلٌ جميلٌ لو ساعد عليه ثبوت استعمال (حِلّ) بمعنى: حَالّ أي: مقيم في مكان، فإن هذا لم يرد في كتب اللغة: الصحاح، واللسان، والقاموس، ومفردات الراغب. ولم يعرج عليه صاحب "الكشاف"، ولا أحسِبُ إعراضه عنه إلا لعدم ثقته بصحة استعماله. وقال الخفاجي: "والحِلّ: صفة أو مصدر بمعنى الحال هنا على هذا الوجه، ولا عبرة بمن أنكره لعدم ثبوته في كتب اللغة"، وكيف يقال: لا عبرة بعدم ثبوته في كتب اللغة، وهل المرجع في إثبات اللغة إلا كتبُ أئمتها! ".