وإخراجُك من هذا البلد الأمين؛ الذي يأْمَنُ فيه الطير والوحش والجاني، وقد استَحَلَّ قومُكَ فيه حُرْمتَكَ، وهم لا يَعْضِدُون به شجرةً، ولا يُنفِّرون به صيدًا. وهذا مروي عن شرحبيل بن سعد١.
وعلى كلِّ حالٍ فهي جملة اعتراضٍ في أثناء القَسَم، موقعها من أحسن موقعٍ وأَلْطَفه.
فهذا القَسَمُ متضمِّنٌ لتعظيم بيته ورسوله.
ثُمَّ أنكر - سبحانه - على الإنسان ظنَّه وحُسْبَانه أن لن يقدر عليه أحدٌ من خلقه في هذا الكَبَدِ والشدَّةِ والقوَّةِ التي يكابد بها الأمور، فإنَّ الذي خلقه كذلك٢ أَوْلَى بالقدرة منه وأحقُّ، وكيف يُقْدِرُ غيرَهُ من لم يكن قادرًا في نفسه؟! فهذا برهانٌ مستقِلٌّ بنفسه، مع أنَّه متضمِّنٌ للجزاء
(١) أخرجه: سعيد بن منصور، وابن المنذر، كما قال السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٥٩٣). وعَزَا السمعاني هذا القول في "تفسيره" (٦/ ٢٢٥) إلى: القفَّال! وانظر: "المحرر الوجيز" (١٥/ ٤٥٤)، و"معالم التنزيل" (٨/ ٤٢٩)، و"الجامع" (٢٠/ ٦١). وشُرَحْبيل بن سعد هو: أبو سعد الخَطْمِي المدني، مولى الأنصار، تابعي أخباري، لم يكن أحدٌ أعلم بالمغازي والبَدْريين منه، لكنه ضعيف الحديث على قلةٍ في الرواية، توفي سنة (١٢٣ هـ) ﵀. انظر: "تهذيب الكمال" (١٢/ ٤١٣)، و"إكمال التهذيب" لمغلطاي (٦/ ٢٢٧).
(٢) في (ز) و(ن): لذلك.
الذي مناطُهُ: القدرةُ والعلمُ، فنبَّه على ذلك بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ٥﴾، وبقوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧﴾ فيُحْصِي عليه ما عَمِلَ من خيرٍ وشرٍّ، ولا يقدر عليه فيجازيه بما يستحقه؟
ثُمَّ أنكر - سبحانه - على الإنسان قوله: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ٦﴾، وهو الكثير الذي يُلَبَّدُ بعضُه فوق بعضٍ، فافْتَخَر هذا الإنسان بإهلاكه وهو: إنفاقُهُ في غير وجهه، إذ لو أنفقه في وجُوهِهِ التي أُمِرَ بإنفاقه فيها، وَوَضْعِهِ مواضعه؛ لم يكن ذلك إهلاكًا له، بل تقرُّبًا به إلى الله ﷿ وتوصُّلًا به إلى رِضَاهُ وثوابِهِ، وذلك ليس بإهلاكٍ له. فأنكر - سبحانه - افتخارَه وتبجُّحَهُ بإنفاق المال في شهواته وأغراضه التي إنفاقُه فيها إهلاكٌ له.
ثُمَّ وبَّخَهُ - سبحانه - بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧﴾، وأتى ها هنا بـ "لم" الدالَّة على المُضِيِّ١، في مقابلة قوله: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ٦﴾؛ فإنَّ ذلك في الماضي، أَفَيَحْسَبُ أن لم يَرَهُ أحدٌ فيما أنفقه وفيما أهلكه؟!
ثُمَّ ذكر - سبحانه - برهانًا مقرِّرًا أنَّه أحقُّ بالرؤية وأَوْلَى من هذا العبد الذي له عينان يبصر بهما، فكيف يعطيه البصر من لا يراه؟ وكيف يعطيه آلة البيان - من الشفتين واللِّسَان، فينطقُ، ويبين عمَّا في نفسه، ويأمر وينهى - من لا يتكلَّم، ولا يُكَلِّمُ، ولا يخاطِب، ولا يأمر، ولا ينهى؟! وهل كمال المخلوق مستفادٌ إلا من خالقه؟ ومن جعل غيره عالمًا بنجْدَيْ الخيرِ والشرِّ - وهما طريقاهما - أَوْلَى وأحقُّ بالعلم منه.