التبيان

ومن هداهُ إلى هذين الطريقين، كيف يليق به أن يتركه سُدَىً، لا يعرِّفُه ما يضرُّهُ وما ينفعُه في معاشِهِ ومعادِهِ؟ وهل النُّبوَّةُ والرِّسَالةُ إلا لتكميل هدايته النَّجْدَين؟! فدلَّ هذا كلُّه على إثبات الخالق، وصفات كماله، وصدق رسله، ووعده، ووعيده١.

وهذه أصول الإيمان التي اتفقت عليها جميع الرُّسُلِ من أوَّلهم إلى آخرهم، إذا تأمَّلَ الإنسانُ حالَهُ وخَلْقَهُ وجَدَهُ من أعظم الأدلَّة على صحتها وثبوتها، فتكفي الإنسانَ فكرتُهُ في نفسه وخَلْقه.

والرُّسُلُ بُعِثُوا مذكِّرين بما في الفِطَرِ والعقول، مُكَمِّلين له؛ لتقوم على العبد حُجَّةُ الله بفطرته ورسالته.

ومع هذا٢ فقامت عليه حُجَّتُه، ولم يقتحم العقبة التي بينه وبين ربِّه، التي لا يصل إليه حتَّى يقتحمَها:

١ - بالإحسان إلى خلقه بفَكِّ الرقبة، وهو تخليصها من الرِّقِّ، ليخلِّصَهُ الله من رِقِّ نفسه، ورِقِّ عدوِّه.

٢ - وإطعامِ المسكينِ واليتيمِ في يوم المجاعة.

٣ - وبالإخلاص له - سبحانه - بالإيمان الذي هو خالصُ حقِّه عليه، وهو تصديقُ خَبَره، وطاعةُ أمره ابتغاءَ وجهِهِ.

٤ - وبنصيحة غيره؛ بأنْ يوصيه بالصبر والمرحمة، ويقبَل وصيةَ من أوصاه بهما، فيكون صابرًا رحيمًا في نفسه، معينًا لغيره على الصبر

  1. (١) ساقط من (ن).
  2. (٢) ساقط من (ن).
62

والرحمة، دالًّا لغيره عليهما١.

فمن لم يقتحم هذه "العقبة"؛ وهلك دونها: هلَكَ منقطِعًا عن ربِّه، غيرَ واصلٍ إليه، بل محجوبًا عنه.

والنَّاس قسمان:

١ - ناجٍ؛ وهو٢ من قطع "العقبة"، وصار وراءها.

٢ - وهالك؛ وهو من دون "العقبة"، وهم أكثر الخلق.

ولا يقتحم هذه "العقبة" إلا المُضَمِّرُون٣، فإنَّها عقبةٌ كَؤُودٌ شاقَّةٌ، لا يقطعها إلا خفيفُ الظَّهْر، وهم "أصحاب الميمنة".

والهالكون٤ دون "العقبة" الذين لم يُصَدِّقُوا الخبر، ولم يطيعوا الأمر، وهم "أصحاب المَشْأمة" = ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠﴾ قد أَطْبَقَت عليهم؛ فلا يستطيعون الخروج منها؛ كما أَطْبَقَت عليهم أعمالُ الغَيِّ،

  1. (١) "دالًّا لغيره عليهما" ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) في النسخ: وهم، وما أثبته أنسب للسياق.
  3. (٣) جمع "مُضَمِّر"، وهو في الأصل يطلق على الذي يُضَمِّر خيلَه لغزوٍ أو سباقٍ، وتَضْمير الخيل: أن يظاهر عليها بالعَلَف حتى تَسْمَن، ثم لا تُعْلَف إلا قوتًا، حتى إذا قَرُب وقت الغزو أو السباق شُدَّت عليها سُرُوجها، وجُلِّلَت بالأجِلَّة حتى تعرق تحتها، فيذهب رَهَلُها، ويشتدُّ لحمُها، وبذلك يُؤمَنُ عليها من البُهْر الشديد عند حُضْرها ولم يقطعْها الشدُّ.
    انظر: "لسان العرب" (٨/ ٨٥)، و"تاج العروس" (١٢/ ٤٠٣).
    ومراد المؤلف ها هنا: أنهم الذين يستعدون بالعمل الصالح لاستقبال ما أمامهم من الحساب والجزاء، كما تُضمر الخيل استعدادًا للمِضْمَار.
  4. (٤) في جميع النسخ بالإفراد: والهالك، والصواب ما أثبته ليستقيم الكلام.
63

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي