فمن لم يقتحم هذه "العقبة"؛ وهلك دونها: هلَكَ منقطِعًا عن ربِّه، غيرَ واصلٍ إليه، بل محجوبًا عنه.
والنَّاس قسمان:
١ - ناجٍ؛ وهو٢ من قطع "العقبة"، وصار وراءها.
٢ - وهالك؛ وهو من دون "العقبة"، وهم أكثر الخلق.
ولا يقتحم هذه "العقبة" إلا المُضَمِّرُون٣، فإنَّها عقبةٌ كَؤُودٌ شاقَّةٌ، لا يقطعها إلا خفيفُ الظَّهْر، وهم "أصحاب الميمنة".
والهالكون٤ دون "العقبة" الذين لم يُصَدِّقُوا الخبر، ولم يطيعوا الأمر، وهم "أصحاب المَشْأمة" = ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠﴾ قد أَطْبَقَت عليهم؛ فلا يستطيعون الخروج منها؛ كما أَطْبَقَت عليهم أعمالُ الغَيِّ،
(١) "دالًّا لغيره عليهما" ساقط من (ح) و(م).
(٢) في النسخ: وهم، وما أثبته أنسب للسياق.
(٣) جمع "مُضَمِّر"، وهو في الأصل يطلق على الذي يُضَمِّر خيلَه لغزوٍ أو سباقٍ، وتَضْمير الخيل: أن يظاهر عليها بالعَلَف حتى تَسْمَن، ثم لا تُعْلَف إلا قوتًا، حتى إذا قَرُب وقت الغزو أو السباق شُدَّت عليها سُرُوجها، وجُلِّلَت بالأجِلَّة حتى تعرق تحتها، فيذهب رَهَلُها، ويشتدُّ لحمُها، وبذلك يُؤمَنُ عليها من البُهْر الشديد عند حُضْرها ولم يقطعْها الشدُّ. انظر: "لسان العرب" (٨/ ٨٥)، و"تاج العروس" (١٢/ ٤٠٣). ومراد المؤلف ها هنا: أنهم الذين يستعدون بالعمل الصالح لاستقبال ما أمامهم من الحساب والجزاء، كما تُضمر الخيل استعدادًا للمِضْمَار.
(٤) في جميع النسخ بالإفراد: والهالك، والصواب ما أثبته ليستقيم الكلام.
والاعتقاداتُ الباطلةُ المُنَافيةُ لما أخبرت به الرُّسُل، فلم تَخْرُج قلوبُهم منها، كذلك أطبقت عليهم١ هذه النَّار، فلم تستطع أجسامُهم الخروجَ منها.
فتأمَّلْ هذه السورة على اختصارها، وما اشتملت عليه من مطالب العلم والإيمان، وبالله التوفيق.
وأيضًا فإنَّ طريقةَ القرآن: يذكر العلمَ والقدرةَ، تهديدًا وتخويفًا؛ لِيُرتِّبَ٢ الجزاءَ عليهما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا﴾[الأنعام: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ٩ عَبْدًا إِذَا صَلَّى ١٠﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ١٤﴾[العلق: ٩ - ١٠، ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾[التوبة: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ٨٠﴾[الزخرف: ٨٠] وهذا كثيرٌ جدًّا في القرآن.
وليس المراد به مجرَّد الإخبار بالقدرة والعلم، لكنَّ الإخبارَ - مع ذلك - بما يترتَّبُ عليهما من الجزاء بالعدل، فإنَّه إذا كان قادرًا أمكن مجازاته، وإذا كان عالمًا أمكن ذلك بالقسط والعدل، ومن لم يكن قادرًا لم يمكن مجازاته. وإن كان قادرًا لكنه غير عالمٍ بتفاصيل الأعمال ومقادير جزائها؛ لم يُجَازِ بالعدل.
والرَّبُّ ﷾ موصوفٌ بكمالِ القدرة، وكمالِ العلم، فالجزاء منه موقوفٌ على مجرَّدِ مشيئَتِهِ وإرادته، فحينئذٍ يجب على