التبيان

واختُلِفَ في هذه "العقبةُ"، هل هي في الدنيا أو في الآخرة١؟

فقالت طائفةٌ: "العقبة" ها هنا مَثَلًا ضربَهُ اللهُ - تعالى - لمجاهدة النَّفْس والشيطان في أعمال البِرِّ. وحَكَوا ذلك عن: الحسن، ومقاتل.

قال الحسن: "عقبةٌ - واللهِ - شديدةٌ: مجاهدة الإنسان نفسَهُ، وهواهُ، وعدوَّهُ، والشيطانَ".

وقال مقاتل: "هذا مَثَلٌ ضربه الله"٢؛ يريد أنَّ المعتِقَ رقبةً، والمُطْعِمَ اليتيمَ والمسكينَ، يُقَاحِمُ نفسَهُ وشيطانَهُ، مثل مَنْ يتكلَّف صعود العقبة، فشبَّهَ المعتِق رقبةً في شدَّته عليه بالمكلَّفِ صعودَ العقبة. وهذا قول أبي عبيدة٣.

وقالت طائفةٌ: بل هي عقبةٌ حقيقةً، يصعدها النَّاس٤.

قال عطاء: "هي عقبة جهنَّم".

وقال الكلبي: "هي عقبةٌ بين الجنَّة والنَّار". وهذا لعلَّه قول مقاتل٥: "إنَّها عقبة جهنَّم".

وقال مجاهد، والضحَّاك: "هي "الصِّرَاطُ"، يُضْرَبُ على جهنَّم".

  1. (١) على سبعة أقوال، مردُّها إلى ما ذكره المؤلف هنا، وانظر: "زاد المسير" (٨/ ٢٥٤)، و"النكت والعيون" للماوردي (٦/ ٢٧٨).
  2. (٢) "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٨٦).
  3. (٣) انظر: "مجاز القرآن" (٢/ ٢٩٩).
  4. (٤) في (ن): يصعد إليها الناس.
  5. (٥) هذا سبق قلم، والمقصود: عطاء. وقد سبق للمؤلِّف ذكر قول مقاتل بأنه "مَثَلٌ ضربه الله" كما هو في تفسيره.
67

وهذا لعلَّه قول الكلبي.

وقولُ هؤلاء أصحُّ نظرًا، وأثرًا، ولغةً.

قال قتادة: "إنَّها عقبةٌ شديدةٌ، فاقتحِمُوها بطاعة الله".

وفي أثرٍ معروفٍ: "إنَّ بين أيديكم عقبةً كؤودًا لا يَقْتحِمُها إلَّا المُخِفُّون"١؛ أو نحو هذا، فإنَّ اللهَ - تعالى - سمَّى٢ الإيمانَ به، وفعلَ ما أَمَرَ، وتركَ ما نَهَى: عقبةً.

وكثيرًا ما يقع في كلام السلف الوصية بالتضمُّر لاقتحام "العقبة"، وقال بعضُ الصحابة وقد حضره الموتُ، فجعل يبكي، ويقول: "ما لي لا أبكي وبين يديَّ عقبةٌ، أَهبِطُ منها إمَّا إلى جنَّةٍ، وإمَّا إلى نارٍ".

فهذا القول أقرب إلى الحقيقةِ٣، والآثار السلفيةِ، والمألوفِ من عادةِ القرآن في استعماله ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ في الأمور الغائبة العظيمة كما تقدَّم. والله أعلم.

  1. (١) أخرجه: البزار في "البحر الزخار" (١٠/ ٥٥) رقم (٤١١٨) وصححه، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥٧٣) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٣٠٩)، وتمَّام في "فوائده" رقم (١٦٤٢)، وابن الأعرابي في "الزهد" رقم (١١٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٢٦)، من حديث أبي الدرداء ﵁.
    وصححه: المنذري في "الترغيب"، والهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٦٣)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٠٩)، والألباني في "صحيح الترغيب" (٣/ ٢٣٧)، و"السلسلة الصحيحة" رقم (٢٤٨٠).
  2. (٢) في جميع النسخ: وإن سمَّى الله! والمثبت أنسب لدلالة السياق عليه.
  3. (٣) "إلى الحقيقة" ساقط من (ن).
68

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي