قال قتادة: "إنَّها عقبةٌ شديدةٌ، فاقتحِمُوها بطاعة الله".
وفي أثرٍ معروفٍ: "إنَّ بين أيديكم عقبةً كؤودًا لا يَقْتحِمُها إلَّا المُخِفُّون"١؛ أو نحو هذا، فإنَّ اللهَ - تعالى - سمَّى٢ الإيمانَ به، وفعلَ ما أَمَرَ، وتركَ ما نَهَى: عقبةً.
وكثيرًا ما يقع في كلام السلف الوصية بالتضمُّر لاقتحام "العقبة"، وقال بعضُ الصحابة وقد حضره الموتُ، فجعل يبكي، ويقول: "ما لي لا أبكي وبين يديَّ عقبةٌ، أَهبِطُ منها إمَّا إلى جنَّةٍ، وإمَّا إلى نارٍ".
فهذا القول أقرب إلى الحقيقةِ٣، والآثار السلفيةِ، والمألوفِ من عادةِ القرآن في استعماله ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ في الأمور الغائبة العظيمة كما تقدَّم. والله أعلم.
(١) أخرجه: البزار في "البحر الزخار" (١٠/ ٥٥) رقم (٤١١٨) وصححه، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٥٧٣) وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧/ ٣٠٩)، وتمَّام في "فوائده" رقم (١٦٤٢)، وابن الأعرابي في "الزهد" رقم (١١٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢٢٦)، من حديث أبي الدرداء ﵁. وصححه: المنذري في "الترغيب"، والهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٦٣)، والعجلوني في "كشف الخفاء" (٢/ ١٠٩)، والألباني في "صحيح الترغيب" (٣/ ٢٣٧)، و"السلسلة الصحيحة" رقم (٢٤٨٠).
(٢) في جميع النسخ: وإن سمَّى الله! والمثبت أنسب لدلالة السياق عليه.
(٣) "إلى الحقيقة" ساقط من (ن).
فصل
ومن ذلك إقسامُ الله ﷾ بالتِّين ﴿وَالزَّيْتُونِ ١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ٣﴾[التين: ١ - ٣]، فأَقْسَم - سبحانه - بهذه الأمكنة الثلاثة العظيمة التي هي مظاهر أنبيائه ورسله أصحابِ الشرائع العِظَام، والأُمَمِ الكثيرة.
فـ "التِّينُ" و"الزيتونُ": المراد به نفس الشجرتين المعروفتين، ومنبتهما، وهو أرض بيت المقدس، فإنَّها أكثر البقاع زيتونًا وتينًا.
وقد قال جماعة من المفسِّرين: إنَّه - سبحانه - أقسَمَ بهذين النَّوعَين من الثمار لمكان العبرة فيهما، فإنَّ "التِّينَ" فاكهةٌ مُخَلَّصةٌ من شوائب التنغيص، لا عَجَمَ١ له، وهو على مقدار اللُّقْمَة، وهو: فاكهةٌ، وقوتٌ، وغذاءٌ، وأَدَمٌ. ويدخل في الأدوية، ومزاجه من أعدل الأمزجة، وطبعه طبع الحياة: الحرارة، والرطوبة. وشكله من أحسن الأشكال، ويدخل أكلُهُ والنظرُ إليه في باب "المفرِّحات"٢. وله لَذةٌ يمتاز بها عن سائر الفواكه، ويزيد في القوَّة، ويوافق البَاءَةَ، وينفع من "البَوَاسِير"٣
(٣) "البواسير": جمع باسُور، ويقال: باصور، لفظ أعجمي، يدل على علةٍ معروفة تحدث للمَقْعَدة، وقد يحدث في أيِّ موضع بالبدن يقبل الرطوبة؛ لأنه ورمٌ مؤْذٍ. انظر: "لسان العرب" (١/ ٤٠٦).