التبيان

المؤمنين، وهو - سبحانه - قابَلَ بين جزاء هؤلاء وجزاء أهل الإيمان، فجعل جزاءَ الكفار أسفل سافلين، وجزاءَ المؤمنين أجرًا غير ممنون.

السادس: أنَّ قول من فسَّره بأرذل العمر يستلزم: -

١ - خُلُوَّ الآية عن جزاءِ الكفار، وعاقبةِ أمرهم.

٢ - وتفسيرها بأمرٍ محسوسٍ.

فيكون قد ترك الإخبار عن المقصود والأَهَمِّ، وأخبر بأمرٍ يُعْرَفُ بالحِسِّ والمشاهدةِ، وفي ذلك هضْمٌ لمعنى الآية، وتقصيرٌ١ بها عن المعنى اللائق بها.

السابع: أنَّه - سبحانه - ذكر حال الإنسان في مبدئه ومَعَادِه، فمبدؤه خلْقُه في أحسن تقويم، ومعادُهُ رَدُّهُ إلى أسفل سافلين، أو إلى أجرٍ غير ممنونٍ. وهذا موافق لطريقة القرآن وعادته في ذكر مبدأ العبد ومَعَاده، فما لأَرْذَلِ العمر وهذا المعنى المطلوب المقصود إثباته والاستدلال عليه؟

الثامن: أنَّ أرباب القول الأوَّل٢ مضطَرُّون إلى مخالفة الحِسِّ، أو إخراج الكلام عن ظاهره، والتكلُّف البعيد له٣. فإنَّهم إن قالوا: إنَّ الذي يُرَدُّ إلى أرذل العمر هم٤ الكفار دون المؤمنين؛ كابروا الحِسَّ. وإن قالوا: إنَّ من النَّوعين من يردُّ إلى أرذل العمر؛ احتاجوا إلى التكلُّف

  1. (١) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: ونقصٌ.
  2. (٢) ساقط من (ك).
  3. (٣) من (ح) و(م)، وسقط من باقي النسخ.
  4. (٤) ساقط من (ك).
75

لصحة الاستثناء.

فمنهم من قدَّرَ ذلك بأنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لا تبطل أعمالهم إذا رُدُّوا إلى أرذل العمر، بل تجري عليهم أعمالهم التي كانوا يعملونها في الصحة. وهذا - وإن كان حقًّا - فإنَّ الاستثناء إنَّما وقع من الردِّ، لا من الأجر والعمل.

ولمَّا علم أرباب هذا القول ما فيه من التكلُّف خَصَّ بعضُهم "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" بقُرَّاء القرآن خاصَّةً، فقالوا: من قرأ القرآن لا يُرَدُّ إلى أرذل العمر.

وهذا ضعيفٌ من وجهين:

أحدهما: أنَّ الاستثناءَ عامٌّ في المؤمنين، قارئهم وأُمِّيهم.

الثاني: أنَّه لا دليل لهم على ما ادَّعَوه، وهذا لا يُعْلَم بالحِسِّ، ولا خَبَرَ يجب التسليم له١ يقتضيه، والله أعلم.

التاسع: أنَّه - سبحانه - ذكر نعمته على الإنسان بخلقه في أحسن تقويم، وهذه النِّعمة تُوجب عليه أن يشكرها بالإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له، فينقله - حينئذٍ٢ - من هذه الدار إلى أَعْلَى عِلِّيين، فإذا لم يؤمن بربِّه، وأشرك به، وعصى رسله؛ نقله منها إلى أسفل سافلين، وبدَّلَهُ بعد هذه الصورة التي هي في أحسن تقويم صورةً من أقبح الصور في أسفل سافلين. فتلك نعمتُهُ عليه، وهذا عَدْلُهُ فيه، وعقوبَتُهُ على

  1. (١) في (ز) و(ن): إليه.
  2. (٢) في (ز): وحده!
76

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي