فإن قيل: كيف تقولون هذا وقد أخبر رسولُه عنه بأنَّ حقَّ العباد عليه إذا عَبَدُوه وحدَهُ١ أن لا يعذِّبهم٢، وقد أخبر عن نفسه أنَّ حقًّا عليه نصرُ المؤمنين٣؟
قيل: لَعَمْرُ اللهِ؛ وهذا من أعظم مِنَّته على عباده، أن جعل على نفسه حقًّا بحكم وعده الصادق: أن يثيبهم ولا يعذِّبهم إذا عبدوه وحده، فهذا من تمام مِنَّته، فإنَّه لو عذَّبَ أهلَ سمواته وأرضه لعذَّبهم وهو غير ظالمٍ لهم، ولكن مِنَّته اقتضت أنْ أَحَقَّ على نفسه ثوابَ عابديه، وإجابةَ سائليه.
ما للعبادِ عليهِ حقٌّ واجبٌكلَّا، ولا سَعْيٌ لديهِ ضائعُ
إن عُذِّبُوا فبعَدْلِه، أو نُعِّمُوافبفَضْلِه، وهو الكريمُ الواسعُ٤
(٢) يشير إلى حديث معاذ بن جبل ﵁ قال: "كنتُ رِدْفَ النبيِّ ﷺ على حمارٍ يقال له "عُفَير" فقال: يا معاذُ؛ هل تدري حقَّ الله على عباده، وما حقُّ العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنَّ حقَّ الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله أن لا يعذِّبَ من لا يشركُ به شيئًا. فقلت: يا رسول الله، أفلا أُبشِّرُ به النَّاسَ؟ قال: لا تبشرهم فيتَّكِلُوا". أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٢٧٠١، ٥٦٢٢، ٥٩١٢، ٦١٣٥، ٦٩٣٨)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٣٠).
(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ٤٧﴾[الروم: ٤٧].
أنَّ هذا خطابٌ للإنسان١، أي: فما يكذِّبُك بالجزاء والمَعَاد بعد هذا البيان، وهذا البرهان؛ فتقول: إنَّك لا تُبعث، ولا تُحاسب؟! ولو تفكَّرت في مبدأ خَلْقِك، وصورتك، لعلمتَ أنَّ الذي خَلَقَك أقدر على إعادتك بعد موتك، ونشأتك خَلْقًا جديدًا من خَلْقِك الأوَّل٢، وأنَّ ذلك لو أَعْيَاهُ وأَعْجَزَهُ لأَعْيَاهُ وأَعْجَزَه خَلْقُك الأوَّل.
وأيضًا؛ فإنَّ الذي كَمَّلَ خَلْقَك في أحسن تقويمٍ بعد٣ أن كنت نطفةً من ماءٍ مهينٍ، كيف يليق به أن يتركَكَ سُدَىً، لا يكمِّلُ ذاتَكَ بالأمر والنهي، وبيانِ ما ينفعُكَ ويضرُّك، ولا يبعثُكَ لدارٍ هي أكمل من هذه الدار، ويجعل هذه الدار طريقًا لك إليها، فحِكْمَةُ أحكمِ الحاكمين تأبَى ذلك، وتقتضي خلافه.
قال منصور٤: قلت لمجاهد: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ٧﴾ عَنَى به محمدًا؟ فقال: "معاذَ اللهِ؛ إنَّما عَنَى به الإنسان"٥.
(١) وهو قول: مجاهد، والكلبي، ومقاتل بن سليمان، وجمهور المفسرين. قال السمعاني: "هذا هو القول المعروف، وهو الأولى؛ لأنَّ "ما" بمعنى "مَنْ" يبعد في اللغة". "تفسيره" (٦/ ٢٥٤). واقتصر كثير من المفسرين عليه ولم يذكروا غيره، كما فعل: البغوي في "معالم التنزيل" (٨/ ٤٧٣)، والواحديُّ في "الوسيط" (٤/ ٥٢٦)، وابن كثير في "تفسيره" (٨/ ٤٣٥)، وغيرهم.
(٢) "من خلقك الأول" ساقط من (ح) و(م).
(٣) ساقط من (ز).
(٤) هو منصور بن المعتمر بن عبد الله السُّلَمي، الحافظ الثبت الحُجَّة، لم يكن بالكوفة أحفظ منه، روى له الجماعة، توفي سنة (١٣٢ هـ) ﵀. انظر: "تهذيب الكمال" (٢٨/ ٥٤٦)، و"السير" (٥/ ٤٠٢).
(٥) أخرجه: ابن جرير في "تفسيره" رقم (٣٧٦٥٣ - ٣٧٦٥٥)، وابن أبي حاتم في =