التبيان

مكذِّبًا أو مكذَّبًا، وإنَّما معناه نسبتُهُ إلى الكذب، فالمعنى على هذا: فمَنْ يجعلك بَعْدُ١ كاذبًا بالدِّين٢.

وهذا إنِّما يتَعدَّى إليه بـ "الباء" الفعلُ المُضَاعَفُ لا الثلاثي، فلا يقال: كَذَبَ بكذا، وإنَّما يقال: كذَّبَ به.

وجواب هذا الإشكال أنَّ قوله: كذَّبَ بكذا؛ معناه: كذَّبَ المُخْبَر به، ثُمَّ حذفوا المفعول لظهور العلم به، حتَّى كأنَّه نِسْيٌ مَنْسِيٌّ، وعَدَّوا الفعل٣ إلى المُخْبِر به٤، فإذا قيل: مَنْ يكذِّبك بكذا؟ فهو بمعنى: كذَّبُوك بكذا - سواء -، أي٥: نسبوك إلى الكذب في الإخبار به.

بل الإشكال في قول مجاهد والجمهور، فإنَّ الخطاب إذا كان للإنسان، وهو المكذِّب - أي: فاعل التكذيب - فكيف يقال له: ما يكذِّبك؟ أي: يجعلك مكذِّبًا، والمعروفُ "كذَّبَهُ": إذا جعله كاذبًا لا مكذِّبًا، مثل "فسَّقَه": إذا جعله فاسقًا، لا مفسِّقًا لغيره.

وجواب هذا الإشكال: أنَّ "صدَّقَ" و"كذَّبَ" - بالتشديد - يراد به معنيان:

أحدهما: النِّسبة؛ وهي إنَّما تكون للمفعول كما ذكرتم.

والثاني: الداعي والحامل على ذلك، وهو يكون للفاعل.

  1. (١) من (ح) و(م)، وسقط من باقي النسخ.
  2. (٢) بعده في (ز) و(ن) زيادة: أو مكذبًا به، ومثله في (ك) و(ط) بدون: به.
  3. (٣) أثبتُّه من (ح) و(م)، وسقط من باقي النسخ، إلا أنه استدرك في هامش (ك).
  4. (٤) في (ن): ثم حذفوا المفعول! تكررت خطأ.
  5. (٥) ساقط من (ن) و(ك).
84

قال الكِسَائي١: "يقال: ما صدَّقَكَ بكذا، أو ما كذَّبَكَ بكذا؛ أي: ما حملك على التصديق والتكذيب".

قلت: وهو نظير: ما جَرَّأَكَ على هذا، أي: ما حَمَلَكَ على الاجتراء عليه. وما قَدَّمَك، وما أَخَّرَك، أي: ما دَعَاكَ وحمَلَك على التقدُّمِ والتأخُّرِ، وهذا استعمالٌ سائغٌ في العربية٢، وبالله التوفيق.

ثُمَّ ختم السورة بقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨﴾ [التين: ٨]، وهذا تقريرٌ لمضمون السورة من إثبات النُّبوَّة، والتوحيد، والمَعَاد، وحُكْمُه يتضمَّن نَصْرَهُ لرسوله على من كذَّبَهُ وجحد ما جاء به بالحُجَّة والقدرة والظهور عليه، وحُكْمَه بين عباده في الدنيا بشرعه وأمره، وحُكْمَه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه، وأنَّ أحكم الحاكمين لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعدما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن تقويم، ونَقْلِه٣ في أطوار التخليق حالًا بعد حالٍ إلى أكمل أحواله. فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المُحْسِنَ بإحسانه، والمُسِيءَ بإساءته؟ وهل ذلك إلا قَدْحٌ في حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ؟

فَلِلَّهِ ما أخصرَ لفظَ هذه السورة، وأعظم شأنها، وأتمَّ معناها، والله أعلم.

  1. (١) هو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، أبو الحسن الكسائي الكوفي، إمام القُرَّاء، وشيخ العربية في زمانه، تعلم النحو على كِبَرٍ، له كتب كثيرة منها: "معاني القرآن"، و"القراءات"، وغير ذلك، توفي بالكوفة سنة (١٨٣ هـ) ﵀.
    انظر: "نزهة الألباء" (٦٧)، و"إنباه الرواة" (٢/ ٢٥٦)، و"السير" (٩/ ١٣١).
  2. (٢) في (ح) و(م): موافق للعربية.
  3. (٣) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: وتنقله.
85

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي