التبيان

قال الكِسَائي١: "يقال: ما صدَّقَكَ بكذا، أو ما كذَّبَكَ بكذا؛ أي: ما حملك على التصديق والتكذيب".

قلت: وهو نظير: ما جَرَّأَكَ على هذا، أي: ما حَمَلَكَ على الاجتراء عليه. وما قَدَّمَك، وما أَخَّرَك، أي: ما دَعَاكَ وحمَلَك على التقدُّمِ والتأخُّرِ، وهذا استعمالٌ سائغٌ في العربية٢، وبالله التوفيق.

ثُمَّ ختم السورة بقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨﴾ [التين: ٨]، وهذا تقريرٌ لمضمون السورة من إثبات النُّبوَّة، والتوحيد، والمَعَاد، وحُكْمُه يتضمَّن نَصْرَهُ لرسوله على من كذَّبَهُ وجحد ما جاء به بالحُجَّة والقدرة والظهور عليه، وحُكْمَه بين عباده في الدنيا بشرعه وأمره، وحُكْمَه بينهم في الآخرة بثوابه وعقابه، وأنَّ أحكم الحاكمين لا يليق به تعطيل هذه الأحكام بعدما ظهرت حكمته في خلق الإنسان في أحسن تقويم، ونَقْلِه٣ في أطوار التخليق حالًا بعد حالٍ إلى أكمل أحواله. فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن لا يجازي المُحْسِنَ بإحسانه، والمُسِيءَ بإساءته؟ وهل ذلك إلا قَدْحٌ في حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ؟

فَلِلَّهِ ما أخصرَ لفظَ هذه السورة، وأعظم شأنها، وأتمَّ معناها، والله أعلم.

  1. (١) هو علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي، أبو الحسن الكسائي الكوفي، إمام القُرَّاء، وشيخ العربية في زمانه، تعلم النحو على كِبَرٍ، له كتب كثيرة منها: "معاني القرآن"، و"القراءات"، وغير ذلك، توفي بالكوفة سنة (١٨٣ هـ) ﵀.
    انظر: "نزهة الألباء" (٦٧)، و"إنباه الرواة" (٢/ ٢٥٦)، و"السير" (٩/ ١٣١).
  2. (٢) في (ح) و(م): موافق للعربية.
  3. (٣) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: وتنقله.
85

فصل

ومن ذلك قَسَمُهُ ﷾ بالليل ﴿إِذَا يَغْشَى ١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢﴾ [الليل: ١ - ٢] الآيات، وقد تقدَّم١ ذكر المُقْسَم عليه وأنَّه سعيُ الإنسان في الدنيا، وجزاؤه في العُقْبَى.

فهو - سبحانه - يُقْسِمُ بـ "الليل" في جميع أحواله، إذ هو من آياته الدالَّة عليه. فأقسم به٢ وقت غشيانه، وأتى به بصيغة المضارع لأنَّه يغشى شيئًا بعد شيء، وأمَّا "النَّهار" فإنَّه إذا طلعت الشمس ظهر وتجلَّى وَهْلَةً واحدةً، ولهذا قال في سورة "الشمس وضحاها": ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٤﴾ [الشمس: ٣، ٤].

وأقسَمَ به وقت سريانه كما تقدَّم٣، وأقسَمَ به وقت إدباره، وأقسَمَ به إذا عَسْعَس.

فقيل: معناه أدبر٤، فيكون معناه مطابقًا لقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ٣٣ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ٣٤﴾ [المدثر: ٣٣، ٣٤].

  1. (١) راجع (ص/ ١٠).
  2. (٢) بعده في (ز) و(ن) و(ط) زيادة: في.
  3. (٣) راجع (ص/ ٤٨).
  4. (٤) قال به: علي، وابن عباس ﵃، ومجاهد، وقتادة، والضحَّاك،
    وزيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن.
    واختاره: الفرَّاء "معاني القرآن" (٣/ ٢٤٢) وزعم أنه إجماع المفسرين! وابن جرير الطبري في "جامع البيان" (١٢/ ٤٧٠)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (١٥/ ٣٤٠).
86

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي