فيكون قد أقسَمَ بإقبال الليل والنَّهار، وعلى الأوَّل يكون القَسَم واقعًا على انصرام الليل، ومجيء الصُّبْح عقيبه، وكلاهما من آيات ربوبيته.
ثُمَّ أقسَمَ بخلق الذَّكَر والأنثى، وذلك يتضمَّنُ الإقسامَ بالحيوان كلِّه على اختلاف أصنافه، ذَكَرِهِ وأُنْثَاه، وقابَلَ بين الذَّكَر والأنثى كما قابَلَ بين الليل والنَّهار، وكلُّ ذلك من آيات ربوبيته، فإنَّ إخراج الليل والنَّهار بواسطة الأجرام العُلْويَّة، كإخراج الذَّكَر والأنثى بواسطة الأجرام السُّفْلية، فأخرج من الأرض ذكورَ الحيوان وإناثَه على اختلاف أنواعه، كما أخرج من السماء الليلَ والنَّهارَ بواسطة الشمس فيها٣.
(١) قال به: مجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وعطية العوفي، ومقاتل بن سليمان. واختاره: السمعاني في "تفسيره" (٦/ ١٦٩)، وابن كثير في "تفسيره" (٨/ ٣٣٨) وقال: "وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة "عَسْعَس" تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كلٌّ منهما، والله أعلم". وقال الزجَّاج: "يقال: عسعس الليل: إذا أقبل، وعسعس: إذا أدبر، والمعنيان يرجعان إلى شيءٍ واحدٍ، وهو ابتداء الظلام في أوله، وإدباره في آخره". "معاني القرآن" (٥/ ٢٩٢). وعلماء اللغة يعدون لفظة "عَسْعَس" من الأضداد. انظر: "الأضداد" لقطرب (١٢٢)، و"الأضداد" للأنباري (٣٢).
(٢) من قوله: "إذ أدبر. . ." إلى هنا؛ ملحق بهامش (ح).
(٣) في (ن): فيهما.
وأقسَمَ - سبحانه - بزمان السعي وهو١ الليل والنَّهار، وبالساعي وهو الذَّكَر والأنثى؛ على اختلاف السعي، كما اختلف الليلُ والنَّهارُ، والذَّكَرُ والأنثى.
وسعيُه وزمانُه مختلِفٌ٢؛ وذلك دليلٌ على اختلاف جزائه وثوابه، وأنَّه - سبحانه - لا يسوِّي بين من اختلف سعيه٣ في الجزاء، كما لم يسوِّ بين الليل والنَّهار، والذَّكَر والأنثى.
ثُمَّ أخبر عن تفريقه بين عاقبة سعي المحسن وعاقبة سعي٤ المسيء فقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠﴾[الليل: ٥ - ١٠]، فتضمَّنت الآيتان٥ ذِكْرَ شَرْعِه وقَدَرِه، وذِكْرَ الأعمالِ وجزائها، وحكمةَ القَدَرِ في تيسير هذا لليُسْرَى، وهذا للعُسْرَى، وأنَّ العبد ميسَّرٌ بأعماله لغاياتها، ولا يظلم ربُّك أحدًا.
وذَكَر للتيسير لليسرى ثلاثةَ أسباب:
أحدها: إعطاء العبد، وحذَفَ مفعول الفعل إرادةً للإطلاق٦ والتعميم، أي: أعطى ما أُمِرَ به، وسَمَحَتْ به طبيعته، وطاوَعَتْهُ
(١) ساقط من (ز).
(٢) في (ز) و(ك) و(ن) و(ط): يختلف.
(٣) ساقط من (ز).
(٤) ساقط من (ن).
(٥) كذا في جميع النسخ؛ ومراده بهما: آية اليسرى، وآية العسرى، وما يتبعهما. والله أعلم.