التبيان

٣ - وقوَّةُ الفَهْم والإدراك.

ففيها: قوَّة العلم والشعور؛ وتَتبعها: قوَّةُ الحُبِّ والإرادة، وقوَّةُ البُغْضِ والنُّفْرة.

فهذه القُوى الثلاثة عليها مدارُ صلاحِها وسعادتها، وبفسادها يكون فسادُها وشقاوتُها.

ففساد قوَّة العلم والشعور يوجب له التكذيب بالحُسْنَى.

وفساد قوَّة الحبِّ والإرادة يوجب له١ تَرْكَ الإعطاءِ، والمنعَ٢.

وفساد قوَّة البُغْضِ والنُّفْرة يوجب له تركَ الاتِّقاء.

فإذا كمَّلَ قوَّةَ حُبِّهِ وإرادته بإعطائه ما أُمِرَ به، وقوَّةَ بُغْضه ونُفْرَتِه باتقائه ما نُهِيَ عنه، وقوَّةَ علمه وشعوره بتصديقه بكلمة الإسلام وحقوقها وجزائها = فقد زكَّى نفسَهُ، وأعَدَّها لكلِّ حالةٍ يُسْرَى، فصارت "النَّفْسُ" بذلك ميسَّرةً لليُسْرَى.

ولمَّا كان الدِّين يدور على ثلاثِ قواعد: فعلِ المأمور، وتركِ المحظور، وتصديقِ الخبر - وإنْ شئتَ قلتَ: الدِّين: طلبٌ، وخبرٌ. والطلبُ نوعان: طلبُ فعلٍ، وطلبُ تركٍ -؛ تضمَّنَت هذه الكلماتُ الثلاثُ مراتبَ الدِّين أجمعَها؛ فالإعطاء: فعل المأمور، والتقوى: ترك المحظور؛ والتصديق بالحُسْنَى: تصديق الخبر = فانتظم ذلك الدِّينَ كلَّه.

  1. (١) ساقط من (ز).
  2. (٢) ساقط من (ح) و(م).
94

وأكملُ النَّاس من كملت له هذه القُوى١ الثلاث، ودخول النَّقْص بحسب نقصانها أو بعضِها٢، فمن النَّاس من تكون قوَّة إعطائه وبذله أتمَّ من قوَّة انكفافه وتركه، فقوَّةُ التَرْكِ فيه أضعفُ من قوَّةِ الإعطاء، ومن النَّاس من تكون قوَّةُ التَّرْكِ والانكفافِ فيه أتمَّ من قوَّة الإعطاء، ومن النَّاس من تكون قوَّةُ التصديق فيه أتمَّ من قوَّة الإعطاء والمنع، فقوَّتُه العلميَّة الشعوريَّة أتمُّ من قوَّته الإراديَّة، وبالعكس، فيدخل النَّقْص بحسب ما نقص٣ من قوَّة هذه القُوى الثلاث، ويفوته من التيسير لليُسْرَى بحسب ما فاته منها، ومن كملت له هذه القُوى يُسِّرَ لكلِّ يُسْرَى.

قال ابن عباس ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧﴾: "نُهَيِّئُه لعمل الخير، ونيسِّرها عليه"٤.

وقال مقاتل، والكلبي، والفرَّاء: "نُيَسِّرُه للعَود إلى العمل الصالح"٥.

وحقيقة "اليُسْرَى" أنَّها الخَلَّةُ والحالَةُ السَّهْلَةُ النافعةُ الواقعة٦ له، وهي ضِدُّ العُسْرَى، وذلك يتضمَّنُ تيسيره للخير وأسبابه، فيُجْرِي الخيرَ ويُيَسِّرُه على قلبِه، ونيتِه٧، ولسانِه، وجوارحِه. فتصير

  1. (١) تصحفت في (ك) و(ن) إلى: التقوى.
  2. (٢) في (ز): وبغضها!
  3. (٣) بعدها في (ن) و(ك) زيادة: من نقص! وكشط عليها في (ز).
  4. (٤) انظر: "زاد المسير" (٨/ ٢٦٣)، و"تفسير ابن كثير" (٨/ ٤١٧).
    والعبارة في (ح) و(م) هكذا: تُيسَّر عليه أعمال الخير.
  5. (٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٩٢)، و"معاني القرآن" للفرَّاء (٣/ ٢٧٠).
  6. (٦) في (ز) و(ط): الرافعة. وسقطت "له" من (ك).
  7. (٧) في (ح) و(م): بدنه.
95

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي