التبيان

وأكملُ النَّاس من كملت له هذه القُوى١ الثلاث، ودخول النَّقْص بحسب نقصانها أو بعضِها٢، فمن النَّاس من تكون قوَّة إعطائه وبذله أتمَّ من قوَّة انكفافه وتركه، فقوَّةُ التَرْكِ فيه أضعفُ من قوَّةِ الإعطاء، ومن النَّاس من تكون قوَّةُ التَّرْكِ والانكفافِ فيه أتمَّ من قوَّة الإعطاء، ومن النَّاس من تكون قوَّةُ التصديق فيه أتمَّ من قوَّة الإعطاء والمنع، فقوَّتُه العلميَّة الشعوريَّة أتمُّ من قوَّته الإراديَّة، وبالعكس، فيدخل النَّقْص بحسب ما نقص٣ من قوَّة هذه القُوى الثلاث، ويفوته من التيسير لليُسْرَى بحسب ما فاته منها، ومن كملت له هذه القُوى يُسِّرَ لكلِّ يُسْرَى.

قال ابن عباس ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧﴾: "نُهَيِّئُه لعمل الخير، ونيسِّرها عليه"٤.

وقال مقاتل، والكلبي، والفرَّاء: "نُيَسِّرُه للعَود إلى العمل الصالح"٥.

وحقيقة "اليُسْرَى" أنَّها الخَلَّةُ والحالَةُ السَّهْلَةُ النافعةُ الواقعة٦ له، وهي ضِدُّ العُسْرَى، وذلك يتضمَّنُ تيسيره للخير وأسبابه، فيُجْرِي الخيرَ ويُيَسِّرُه على قلبِه، ونيتِه٧، ولسانِه، وجوارحِه. فتصير

  1. (١) تصحفت في (ك) و(ن) إلى: التقوى.
  2. (٢) في (ز): وبغضها!
  3. (٣) بعدها في (ن) و(ك) زيادة: من نقص! وكشط عليها في (ز).
  4. (٤) انظر: "زاد المسير" (٨/ ٢٦٣)، و"تفسير ابن كثير" (٨/ ٤١٧).
    والعبارة في (ح) و(م) هكذا: تُيسَّر عليه أعمال الخير.
  5. (٥) انظر: "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٩٢)، و"معاني القرآن" للفرَّاء (٣/ ٢٧٠).
  6. (٦) في (ز) و(ط): الرافعة. وسقطت "له" من (ك).
  7. (٧) في (ح) و(م): بدنه.
95

خصالُ الخير وأسبابُه ميسَّرةً عليه، مذلَّلةً له، مُنْقَادَةً لا تستعصي عليه، ولا تستصعب؛ لأنَّه مُهَيأٌ لها، ميسَّرٌ لفعلها، يسلك سُبُلَها ذُلُلًا، وتنقادُ له علمًا وعملًا، فإذا خالطتهُ قلتَ: هذا هو الذي قيل فيه:

مُبارَكُ الطَّلْعَةِ مَيْمُونُهايَصْلُحُ للدنيا وللدِّينِ١

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ فعطَّل قوَّةَ الإرادة والإعطاء عن فعل ما أُمِرَ به، ﴿وَاسْتَغْنَى ٨﴾ بترك التقوى عن ربِّه، فعطَّل قوَّةَ الانكفافِ والتَّرْكِ عن فعل ما نُهِيَ عنه، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩﴾ فعطَّل قوَّةَ العلم والشعور عن التصديق بالإيمان وجزائه = ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠﴾.

قال عطاء: "سوف أَحُولُ بين قلبه وبين الإيمان بي وبرسولي"٢.

وقال مقاتل: "يُعَسَّرُ عليه أن يُعْطَى خيرًا"٣.

وقال عكرمة، عن ابن عباس: "نُيَسِّرُه للشَّرِّ"٤.

  1. (١) هذا البيت لعبيد الله الفاطمي، الملقَّب بـ "المهدي"، أول ملوك بني عبيد، كان إذا رأى ابنَه أبا القاسم ونظر إليه فسُرَّ به يقوله!
    ذكره ابن الأبَّار القضاعي في "الحلَّة السِّيَراء" (١/ ١٩٤).
  2. (٢) ذكره السمعاني في "تفسيره" (٦/ ٢٣٨) من طريق أبي صالح عن ابن عباس.
    وذكره القرطبي في "الجامع" (٢٠/ ٨٤) من طريق الضحَّاك عن ابن عباس.
  3. (٣) "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٩٢).
  4. (٤) أخرجه: ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ رقم ١٩٣٦١)، وابن جرير في "جامع البيان" (١٢/ ٦١٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٩/ ٤١٨).
    وزاد السيوطي نسبته إلى: سعيد بن منصور، وابن المنذر، وعبد بن حميد. "الدر المنثور" (٦/ ٦٠٥).
96

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي