التبيان

خصالُ الخير وأسبابُه ميسَّرةً عليه، مذلَّلةً له، مُنْقَادَةً لا تستعصي عليه، ولا تستصعب؛ لأنَّه مُهَيأٌ لها، ميسَّرٌ لفعلها، يسلك سُبُلَها ذُلُلًا، وتنقادُ له علمًا وعملًا، فإذا خالطتهُ قلتَ: هذا هو الذي قيل فيه:

مُبارَكُ الطَّلْعَةِ مَيْمُونُهايَصْلُحُ للدنيا وللدِّينِ١

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ فعطَّل قوَّةَ الإرادة والإعطاء عن فعل ما أُمِرَ به، ﴿وَاسْتَغْنَى ٨﴾ بترك التقوى عن ربِّه، فعطَّل قوَّةَ الانكفافِ والتَّرْكِ عن فعل ما نُهِيَ عنه، ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩﴾ فعطَّل قوَّةَ العلم والشعور عن التصديق بالإيمان وجزائه = ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠﴾.

قال عطاء: "سوف أَحُولُ بين قلبه وبين الإيمان بي وبرسولي"٢.

وقال مقاتل: "يُعَسَّرُ عليه أن يُعْطَى خيرًا"٣.

وقال عكرمة، عن ابن عباس: "نُيَسِّرُه للشَّرِّ"٤.

  1. (١) هذا البيت لعبيد الله الفاطمي، الملقَّب بـ "المهدي"، أول ملوك بني عبيد، كان إذا رأى ابنَه أبا القاسم ونظر إليه فسُرَّ به يقوله!
    ذكره ابن الأبَّار القضاعي في "الحلَّة السِّيَراء" (١/ ١٩٤).
  2. (٢) ذكره السمعاني في "تفسيره" (٦/ ٢٣٨) من طريق أبي صالح عن ابن عباس.
    وذكره القرطبي في "الجامع" (٢٠/ ٨٤) من طريق الضحَّاك عن ابن عباس.
  3. (٣) "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٩٢).
  4. (٤) أخرجه: ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ رقم ١٩٣٦١)، وابن جرير في "جامع البيان" (١٢/ ٦١٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٩/ ٤١٨).
    وزاد السيوطي نسبته إلى: سعيد بن منصور، وابن المنذر، وعبد بن حميد. "الدر المنثور" (٦/ ٦٠٥).
96

قال الواحديُّ: "وهذا هو القول؛ لأنَّ الشَّرَّ يؤدِّي إلى العذاب، فهو الخَلَّة العُسْرَى، والخيرَ يؤدِّي إلى اليُسْرِ والراحةِ في الجنَّة، فهو الخَلَّةُ اليُسْرَى، يقول: سَنُهَيِّئُه للشَّرِّ، بأن نُجْرِيه على يديه"١.

قال الفرَّاء: "والعربُ تقول: قد يَسَّرَتْ غنمُ فلان؛ إذا تَهَيَّأَتْ للوِلادة، وكذلك إذا ولدت وغَزُرَتْ ألبانُها، أي: يَسَّرَتْ ذلك على أصحابها" انتهى٢.

والتيسير للعُسْرَى يكون بأمرين:

أحدهما: أن يحول بينه وبين أسباب الخير، فيجري الشَّرُّ على قلبه، ونيته، ولسانه، وجوارحه.

والثاني: أن يحول بينه وبين الجزاء الأيسر، كما حال بينه وبين أسبابه.

فإن قيل: كيف قَابلَ "اتَّقَى" بـ "استغنى"؟ وهل يمكنُ العبدَ أن يستغنيَ عن ربِّه طَرْفَةَ عَينٍ؟

قيل: هذا من أحسن المقابلة٣، فإنَّ المتَّقِي لمَّا استشعر فَقْرَهُ وفَاقَتَهُ، وشدَّةَ حاجته إلى ربِّه = اتَّقَاهُ، ولم يتعرَّض لسخَطِه وغضبه ومَقْته؛ بارتكاب ما نهاه عنه. فإنَّ من كان فقيرًا شديدَ الحاجةِ والضرورةِ إلى شخصٍ فإنَّه يَتَّقي غضَبَهُ وسخطَهُ عليه غاية الاتِّقَاء، ويجانب ما يكرهُهُ غايةَ المجانبة، ويعتمدُ فعلَ ما يحبُّهُ ويُؤْثِرُهُ.

  1. (١) "الوسيط" (٤/ ٥٠٤)، وفيه اختلاف يسير في الألفاظ عما هنا.
  2. (٢) "معاني القرآن" (٣/ ٢٧٠).
  3. (٣) في (ن): المقالة.
97

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي