التبيان

قال الواحديُّ: "وهذا هو القول؛ لأنَّ الشَّرَّ يؤدِّي إلى العذاب، فهو الخَلَّة العُسْرَى، والخيرَ يؤدِّي إلى اليُسْرِ والراحةِ في الجنَّة، فهو الخَلَّةُ اليُسْرَى، يقول: سَنُهَيِّئُه للشَّرِّ، بأن نُجْرِيه على يديه"١.

قال الفرَّاء: "والعربُ تقول: قد يَسَّرَتْ غنمُ فلان؛ إذا تَهَيَّأَتْ للوِلادة، وكذلك إذا ولدت وغَزُرَتْ ألبانُها، أي: يَسَّرَتْ ذلك على أصحابها" انتهى٢.

والتيسير للعُسْرَى يكون بأمرين:

أحدهما: أن يحول بينه وبين أسباب الخير، فيجري الشَّرُّ على قلبه، ونيته، ولسانه، وجوارحه.

والثاني: أن يحول بينه وبين الجزاء الأيسر، كما حال بينه وبين أسبابه.

فإن قيل: كيف قَابلَ "اتَّقَى" بـ "استغنى"؟ وهل يمكنُ العبدَ أن يستغنيَ عن ربِّه طَرْفَةَ عَينٍ؟

قيل: هذا من أحسن المقابلة٣، فإنَّ المتَّقِي لمَّا استشعر فَقْرَهُ وفَاقَتَهُ، وشدَّةَ حاجته إلى ربِّه = اتَّقَاهُ، ولم يتعرَّض لسخَطِه وغضبه ومَقْته؛ بارتكاب ما نهاه عنه. فإنَّ من كان فقيرًا شديدَ الحاجةِ والضرورةِ إلى شخصٍ فإنَّه يَتَّقي غضَبَهُ وسخطَهُ عليه غاية الاتِّقَاء، ويجانب ما يكرهُهُ غايةَ المجانبة، ويعتمدُ فعلَ ما يحبُّهُ ويُؤْثِرُهُ.

  1. (١) "الوسيط" (٤/ ٥٠٤)، وفيه اختلاف يسير في الألفاظ عما هنا.
  2. (٢) "معاني القرآن" (٣/ ٢٧٠).
  3. (٣) في (ن): المقالة.
97

فقابَلَ التقوى بالاستغناء تشنيعًا لحال تارك التقوى، ومبالغةً في ذمِّه؛ بأن فَعَلَ فِعْلَ المستغني عن ربِّه، لا فِعْلَ الفقيرِ المضطرِّ إليه الذي١ لا ملجأ له منه إلا إليه، ولا غنى له عن فضله وجُودِهِ وبِرِّهِ طَرْفَةَ عينٍ.

فَلِلَّهِ٢ ما أَحْلَى هذه المقابلة، وما أجمع هاتين الآيتين للخيرات كلِّها وأسبابِها، وللشرورِ كلِّها وأسبابِها.

فَسُبْحَانَ من تعرَّفَ إلى خواصِّ عباده بكلامه، وتجلَّى لهم فيه، فهم لا يطلبون أثرًا بعد عَينٍ، ولا يستبدلون الحقَّ بالباطل، والصدق بالمَيْنِ.

وقد تضمَّنت هاتان الآيتان فَصْلَ الخطاب في مسألة القَدَر، وإزالة كلِّ لَبْسٍ وإشكالٍ فيها، وذلك بَيِّنٌ - بحمد الله - لمن وُفِّقَ لفهمه.

ولهذا أجاب بهما٣ النبيُّ ﷺ لمن أورد عليه السؤالَ الذي لا يزال النَّاس يَلْهَجُون به في القَدَر، فأجاب بِفَصْل الخطاب، وأزال الإشكال.

ففي "الصحيحين" من حديث علي بن أبي طالب [ن/ ١٨]﵁ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: "ما منكم من أحدٍ إلَّا وقد عُلِمَ مَقْعَدُهُ من الجنَّةِ والنَّارِ" قيل: يا رسول الله، أفلا نَدَعُ العَمَلَ، ونتَّكِلُ على كتابنا٤؟ قال: "اعمَلُوا، فكُلٌّ ميسَّرٌ لمَا خُلِقَ له" ثُمَّ قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥)

  1. (١) ساقط من (ن).
  2. (٢) في (ز) زيادة: الحمد.
  3. (٣) في (ن): بها.
  4. (٤) في (ك) و(ح) و(ط) و(م): الكتاب.
98

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي