التبيان

وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧)﴾ إلى قوله: ﴿لِلْعُسْرَى ١٠﴾١ [الليل: ٥ - ١٠].

فقد تضمَّنَ هذا الحديث الردَّ على "القَدَريَّة" و"الجَبْرِيَّة"، وإثباتَ القَدَر والشرع، وإثباتَ الكتاب الأوَّل المتضمِّنِ لعلم الله - سبحانه - الأشياءَ قبل كونها، واثباتَ خلق الفعل الجزائي.

وهو يبطل أصول "القَدَريَّة" الذين يمنعون خَلْقَ الفعل مطلقًا، ومن أقرَّ منهم بخَلْق الفعل الجزائي دون الابتدائي = هَدَمَ أصلَهُ، ونقضَ قاعدته.

والنبيُّ ﷺ أخبر بمثل ما أخبر به الرَّبُّ - تعالى -: أنَّ العبد ميسَّرٌ لمَا خُلِق له٢؛ لا مَجْبُورٌ، فالجَبْر لفظٌ بدعيٌّ، والتيسير لفظ القرآن والسُّنَّة.

وفي الحديث دلالةٌ على أنَّ الصحابة كانوا أعلم النَّاس بأصول الدِّين، فإنَّهم تلقَّوها عن أعلم الخلق بالله ﷿ على الإطلاق، وكانوا إذا استشكلوا شيئًا سألوه عنه، وكان يجيبُهم بما يُزيل الإشكال، ويبيِّنُ الصوابَ. فهم العارفون بأصول الدِّين حقًا، لا أهلُ البدع والأهواء من المتكلِّمين ومن سلك سبيلهم.

وفي الحديث استدلالُ النبيِّ ﷺ على مسائل أصول الدِّين بالقرآن،

  1. (١) "إلى قوله: "للعسرى"" ساقط من (ك) و(ح) و(م) و(ط).
    والحديث أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٩٦، ٤٦٦١، ٤٦٦٦، ٥٨٦٣، ٦٢٣١، ٧١١٣)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٢٦٤٧).
  2. (٢) ساقط من (ن).
99

وإرشادُهُ الصحابةَ إلى استنباطِها منه، خلافًا لمن زعم أنَّ كلامَ الله ورسوله لا يفيد العلم بشيءٍ من أصول الدِّين، ولا يجوز أن تستفاد معرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله منه، وعبَّرَ عن ذلك بقوله: "الأدلَّة اللفظية لا تفيد اليقين"١.

وفي الحديث بيان أنَّ من النَّاس من خُلِقَ للسَّعادة، ومنهم من خُلِق للشَّقَاوة، خلافًا لمن زعم أنَّهم كلُّهم خُلِقُوا للسَّعَادة، ولكن اختاروا الشَّقَاوة، ولم يُخْلَقُوا لها.

وفيه إثباتُ الأسباب، وأنَّ العبد ميسَّرٌ للأسباب الموصِلة له٢ إلى ما خُلِق له.

وفيه دليلٌ على اشتقاق السُّنَّةِ من الكتاب، ومطابقتها له. فتأمَّلْ قوله ﷺ: "اعمَلُوا فكلٌّ ميسَّرٌ لما خُلق له" ومطابقته لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥﴾ إلى آخر الآيتين، كيف انتظم الشَّرْعَ والقَدَرَ، والسببَ والمسبَّب؟

وهذا الذي أرشد إليه النبيُّ ﷺ هو الذي فَطَر اللهُ عليه عباده، بل الحيوانَ البهيمَ، بل مصالحَ الدنيا وعمارتها بذلك، فلو قال كلُّ أحدٍ: إنْ كان قُدِّر لي كذا وكذا فلابدَّ أن أنَالَهُ، وإن لم يقدَّر لي فلا سبيل إلى نَيلِهِ، فلا أَسْعَى ولا أتَحَرَّكُ؛ لَعُدَّ من السفهاءِ الجُهَّالِ، ولم يمكنه طَرْدُ ذلك أبدًا، وإن أتى به في أمرٍ مُعَيَّنٍ، فهل يمكنه أن يَطْرُدَهُ في مصالحه

  1. (١) أطال ابن القيم ﵀ في تفنيد هذه القالة، وزيَّفَها من وجوهٍ عدَّةٍ في كتابه "الصواعق المرسلة" (٢/ ٦٣٣) فما بعدها، وسمَّاها: "الطاغوت الأوَّل"!
  2. (٢) ساقط من (ن).
100

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي