التبيان

فإن قيل: فَلِمَ جعل هذا لا يليق به إلا الكَرَامة، وهذا لا يليق به إلا الإهَانة؟

قيل: هذا سؤال جاهلٍ، لا يستحقُّ الجواب، كأنَّه يقول: لِمَ خَلَقَ اللهُ كذا وكذا؟

فإن قيل: وعلى هذا، فهل لهذا الجاهل من جوابٍ، لعلَّهُ يَشْفَى من جهله؟

قيل: نعم؛ شأنُ الربوبية خَلْقُ الأشياءِ وأضدادِها، وخَلْقُ المَلْزُومات ولوازِمِها، وذلك هو مَحْضُ الكَمَال.

فالعُلُوُّ لازِمٌ وملزومٌ للسُّفْلِ، والليلُ لازمٌ وملزومٌ للنَّهار، وكمالُ هذا الوجود بالحَرِّ والبَرْدِ، والصَّحْوِ والغَيْم. ومن لوازم الطبيعة الحيوانية: الصحَّةُ، والمَرَضُ، واختلافُ الإرادات، والمُرَادَات.

ووجودُ المَلْزُومِ بدون لازِمِه ممتنعٌ١، ولولا خَلْقُ المُضَادَّاتِ٢ لَمَا عُرِفَ كمالُ القدرة والمشيئة والحكمة، ولَمَا ظهرت أحكامُ الأسماء والصفات، وظهورُ أحكامِها وآثارِها لابدَّ منه، إذ هو مقتضى الكمالِ المقدَّسِ، والمُلْكِ التامِّ.

وإذا أعطيتَ اسمَ "المَلِك" حقَّه - ولن تستطيع - علمتَ أنَّ الخلقَ والأمرَ، والثوابَ والعقابَ، والعَطَاءَ٣ والحرمانَ = أمرٌ لازِمٌ لصفة المُلْكِ، وأنَّ صفة المُلْكِ تقتضي ذلك ولابدَّ، وأنَّ تَعَطُّلَ هذه الصفة أمرٌ

  1. (١) العبارة في (ح) و(م) هكذا: ووجود اللازم بدون ملزومه ممتنع.
  2. (٢) في (ح) و(م): المتضادَّات.
  3. (٣) ساقط من (ن).
103

ممتنعٌ.

فالمُلْكُ الحقُّ يقتضي إرسالَ الرُّسُل، وإنزالَ الكتب، وأمرَ العباد، ونَهْيَهم، وثوابَهم، وعقابَهم، وإكرامَ من يستحقُّ الإكرام، وإهانةَ من يستحقُ الإهانة. كما يستلزِمُ حياةَ "المَلِكِ"، وعلمَهُ، وإرادتَهُ، وقدرتَهُ، وسمعَهُ، وبصرَهُ، وكلامَهُ، ورحمتَهُ، ورضاهُ، وغضبَهُ، واستواءَهُ على سرير مُلْكِه، يدبِّرُ أمرَ عباده.

وهذه الإشارة تكفي اللبيبَ في مثل هذا الموضع، ويَطَّلِعُ منها على رياضٍ مُونِقَةٍ، وكنوزٍ من المعرفة، وبالله التوفيق.

فصل

ثُمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل: ١٢، ١٣]؛ قيل: معناه: إنَّ علينا أن نُبيِّنَ طريقَ الهُدَى من طريق الضلال.

قال قتادة: "على الله البيانُ؛ بيانُ حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته"١.

اختاره أبو إسحاق٢، وهو قول مقاتل٣، وجماعة.

  1. (١) أخرجه: ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ رقم ١٩٣٦٦)، وابن جرير في "جامع البيان" (١٢/ ٦١٨). وزاد السيوطي نسبته إلى: عبد بن حميد، وابن المنذر. "الدر المنثور" (٦/ ٦٠٦).
    وساق شيخ الإسلام ابن تيمية سندَ عبد بن حميد فقال: حدثنا يونس، عن شيبان، عن قتادة به، وقال عنه: "وهذا التفسير ثابتٌ عن قتادة". "دقائق التفسير" (٣/ ١٤٩).
  2. (٢) هو الزجَّاج كما في كتابه "معاني القرآن" (٥/ ٣٣٦).
  3. (٣) "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٩٢).
104

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي