التبيان

ممتنعٌ.

فالمُلْكُ الحقُّ يقتضي إرسالَ الرُّسُل، وإنزالَ الكتب، وأمرَ العباد، ونَهْيَهم، وثوابَهم، وعقابَهم، وإكرامَ من يستحقُّ الإكرام، وإهانةَ من يستحقُ الإهانة. كما يستلزِمُ حياةَ "المَلِكِ"، وعلمَهُ، وإرادتَهُ، وقدرتَهُ، وسمعَهُ، وبصرَهُ، وكلامَهُ، ورحمتَهُ، ورضاهُ، وغضبَهُ، واستواءَهُ على سرير مُلْكِه، يدبِّرُ أمرَ عباده.

وهذه الإشارة تكفي اللبيبَ في مثل هذا الموضع، ويَطَّلِعُ منها على رياضٍ مُونِقَةٍ، وكنوزٍ من المعرفة، وبالله التوفيق.

فصل

ثُمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [الليل: ١٢، ١٣]؛ قيل: معناه: إنَّ علينا أن نُبيِّنَ طريقَ الهُدَى من طريق الضلال.

قال قتادة: "على الله البيانُ؛ بيانُ حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته"١.

اختاره أبو إسحاق٢، وهو قول مقاتل٣، وجماعة.

  1. (١) أخرجه: ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ رقم ١٩٣٦٦)، وابن جرير في "جامع البيان" (١٢/ ٦١٨). وزاد السيوطي نسبته إلى: عبد بن حميد، وابن المنذر. "الدر المنثور" (٦/ ٦٠٦).
    وساق شيخ الإسلام ابن تيمية سندَ عبد بن حميد فقال: حدثنا يونس، عن شيبان، عن قتادة به، وقال عنه: "وهذا التفسير ثابتٌ عن قتادة". "دقائق التفسير" (٣/ ١٤٩).
  2. (٢) هو الزجَّاج كما في كتابه "معاني القرآن" (٥/ ٣٣٦).
  3. (٣) "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٩٢).
104

وهذا المعنى حقٌّ، ولكنَّ مرادَ الآية شيءٌ آخر.

وقيل: المعنى: إنَّ علينا للهُدَى والإضْلَال.

قال ابن عباس ﵄ في رواية عطاء: "يريد: أُرْشِدُ أوليائي إلى العمل بطاعتي، وأَحُولُ بين أعدائي وبين أن يعملوا بطاعتي".

قال الفرَّاء: "فَتَرَكَ ذكر الإضْلَال، كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي: والبرد"١.

وهذا أضعف من القول الأوَّل، وإن كان معناه صحيحًا، فليس هو معنى الآية.

وقيل: المعنى: من سَلَكَ الهُدَى فعَلَى الله سبيلُه، كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩]، وهذا قول مجاهد٢، وهو أصحُّ

  1. (١) "معاني القرآن" (٣/ ٢٧١).
    قال شيخ الإسلام: "وهذا القول هو من الأقوال المُحْدَثة التي لم تُعرف عن السلف، وكذلك ما أشبهه، فإنهم قالوا: معناه: بيدك الخير والشرُّ، والنبيُّ ﷺ في الحديث الصحيح يقول: "والخير بيديك، والشرُّ ليس إليك".
    والله - تعالى - خالق كل شيءٍ: لا يكون في ملكه إلا ما يشاء، والقَدَرُ حقٌّ، لكن فَهْم القرآن، ووضع كل شيءٍ موضعه، وبيان حكمة الرَّبِّ وعدله مع الإيمان بالقَدَر؛ هو طريق الصحابة والتابعين لهم بإحسان". "دقائق التفسير" (٣/ ١٥٠).
  2. (٢) انظر: "معالم التنزيل" (٨/ ٤٤٧)، و"الجامع" (٢٠/ ٨٦)، وفيهما نسبة هذا القول إلى الفرَّاء، وهو في "معاني القرآن" له (٣/ ٢٧١).
    وانتصر له شيخ الإسلام وأطال في تقريره. "دقائق التفسير" (٣/ ١٤٢ - ١٥٣).
105

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي