التبيان

فتضمَّنَتْ الآيتان أربعةَ أمورٍ، هي المطالب العالية:

١ - ذكرَ أَعْلَى الغايات؛ وهو الوصول إلى الله سبحانه.

٢ - وأقربَ الطُّرُقِ والوسائلِ إليه، وهي طريقة الهُدَى.

٣ - وتوحيدَ الطريقِ؛ فلا يُعدَلُ عنها إلى غيرها.

٤ - وتوحيدَ المطلوبِ، وهو الحقُّ، فلا يُعدَل عنه إلى غيره.

فاقْتَبِسْ هذه الأمور من مشكاةِ هذه الكلمات، فإنَّ هذا غاية العلم والفهم، وَبالله التوفيق.

والهُدَى التَّامُّ يتضمَّنُ: توحيدَ المطلُوبِ، وتوحيدَ١ الطَّلَبِ، وتوحيدَ الطريقِ المُوصِلة.

والانقطاعُ وتخلُّفُ الوصولِ يقع من٢ الشركة في هذه الأمور، أو في بعضها:

فالشركة في المطلوب تنافي التوحيد والإخلاص، والشركة في الطلب تنافي الصِّدْقَ والعزيمة، والشركة في الطريق تنافي اتِّبَاعَ الأمر.

فالأوَّل: يوقع في الشِّرْكِ، والرِّيَاء.

والثاني: يوقع في المعصيةِ، والبَطَالَةِ.

والثالث: يوقع في البدعةِ، ومُفَارَقَةِ السُّنَّةِ، فتأمَّلْهُ.

  1. (١) "المطلوب، وتوحيد" ملحق بهامش (ز).
  2. (٢) في (ك): مع.
107

فـ "توحيدُ المطلوب" يعصِمُ من الشِّرْك، و"توحيدُ الطلب" يعصِمُ من المعصية، و"توحيدُ الطريق" يعصِمُ من البدعةِ، والشيطانُ إنَّما يَنْصِبُ فَخَّهُ بهذه الطرق الثلاثة.

ولمَّا أقام - سبحانه - الدليلَ، وأنارَ السبيل، وأوضحَ الحُجَّةَ، وبيَّنَ المَحَجَّةَ = أنذرَ عبادَه عذابَه الذي أعدَّهُ لمن كذَّبَ خَبَرَهُ، وتولَّى عن طاعته. وجعلَ هذا الصِّنْفَ من النَّاس هم أشقاهم، كما جعل أَسْعَدَهم أهلَ التقوى والإحسان والإخلاص، فهذا الصِّنْفُ هو الذي يُجَنَّبُ١ عذابه، كما قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى ١٧ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ١٨﴾ [الليل: ١٧، ١٨]، فهذا المتَّقِي المُحْسِنُ، ولا يفعلُ ذلك إلا ابتغاءَ وجه ربِّه، فهو مُخْلِصٌ في تقواه وإحسانه.

وفي الآية إرشادٌ إلى أنَّ صاحب التقوى لا ينبغي له أن يتحمَّلَ مِنَنَ الخَلْق ونِعَمَهُم، وإن حَمَلَ منها شيئًا بادَرَ إلى جزائهم عليه؛ لئلَّا يبقى لأحدٍ من الخَلْقِ عليه نعمةٌ تُجْزَى، فيكون بعد ذلك عمله كلُّه لله وحده، ليس جزاءً للمخلوق على نعمته.

ونبَّه بقوله: ﴿تُجْزَى ١٩﴾ على أنَّ نعمة الإسلام التي لرسول الله ﷺ على هذا الأتقى لا تُجْزَى، فإنَّ كلَّ ذي نعمةٍ يمكن جزاءُ نعمته إلا نعمة الإسلام، فإنَّها لا يمكن جزاؤها من المُنْعَمِ بها عليه٢، وهذا يدلُّ على أنَّ الصدِّيقَ ﵁ أوَّلُ وأَوْلَى من ذُكِرَ في هذه الآية٣، وأنَّه

  1. (١) ضبطت في (ز): تَجنَّبَ، وما أثبته من (ن).
  2. (٢) العبارة في (ح) و(م) هكذا: فإنها لا يمكن المنعم بها عليه أن يجازيها.
  3. (٣) نقل جماعة من المفسرين الاتفاق على أنَّ المراد بـ "الأتقى": أبو بكر الصدِّيق
    ﵁؛ منهم: البغوي في "معالم التنزيل" (٨/ ٤٤٨)، والواحديُّ في =
108

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي