أحقُّ الأُمَّة بها، فإنَّ عليًّا ﵁ تربَّى في بيت النبيِّ ﷺ، فَلِرَسُولِ الله ﷺ عنده نعمةٌ غير نعمةِ الإسلام، يمكن أن تُجْزَى.
ونبَّهَ - سبحانه - بقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى ٢٠﴾ على أنَّ من ليس لمخلوقٍ عليه نعمةٌ تُجْزَى لا يفعل ما يفعله إلا ابتغاءَ وجهِ ربِّهِ الأعلى، بخلاف من تطوَّقَ بِنِعَم المخلوقين ومِنَنِهِم، فإنَّه مُضطَرٌّ إلى أن يفعل لأجلهم، ويترك لأجلهم. ولهذا كان من كمال الإخلاص أن لا يجعل العبدُ عليه مِنَّةً لأحدٍ من النَّاس، لتكون معاملته كلها لله إبتغاء وجهه، وطلب مرضاته.
وكما أنَّ هذه الغايةَ أعلى الغايات، وهذا المطلوبَ أشرفُ المطالب؛ فهذه الطريقُ أقْصَدُ الطرق إليه، وأقربُها، وأقومُها، وبالله التوفيق.
= "الوسيط" (٤/ ٥٠٥)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (١٥/ ٤٨٤)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ٢٦٥). وقد نبَّه جماعة من أهل العلم على أنَّ الآية وإن نزلت في سبب خاصٍّ - كما قيل في سبب نزولها - إلا أنَّ عموم اللفظ معتبر، فتشمل كلَّ من اتصف بالصفات المذكورة في تلك الآيات. انظر: "تفسير ابن كثير" (٨/ ٤٢٢)، و"المحرر الوجيز" (١٥/ ٤٨٤)، و"الجامع" (٢٠/ ٨٨).
فصل
ومن ذلك إقسامُهُ - سبحانه - بالضُّحَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢﴾[الضحى: ٢] على إنعامه على رسوله ﷺ، وإكرامه له، وإعطائه ما يرضيه، وذلك متضمِّنٌ لتصديقه له، فهو يُقْسِم١ على صحَّةِ نُبَوَّته، وعلى جزائه في الآخرة، فهو قَسَمٌ على النُّبوَّة والمَعَاد.
وأقسم بآيتين عظيمتين من آياته؛ دالَّتَين على ربوبيته، وحكمته، ورحمته، وهما الليل والنَّهار.
فتأمَّلْ مطابقةَ هذا القَسَم - وهو نورُ الضُّحَى الذي يوافي بعد ظلام الليل - للمُقْسَم عليه؛ وهو نورُ الوحي الذي وَافَاهُ بعد احتباسِهِ عنه، حتَّى قال أعداؤُه: "وَدَّع محمدًا ربُّهُ"٢. فأقسَمَ بضوء النَّهار بعد ظلمة الليل على ضوء الوحي ونوره، بعد ظلمة احتباسه٣ واحتجابه.
(١) من (ز)، وفي باقي النسخ: قَسَمٌ.
(٢) روى مسلم في "صحيحه" رقم (١٧٩٧) من طريق: سفيان، عن الأسود بن قيس: أنه سمع جُنْدبًا يقول: "أبطأ جبريلُ على رسول الله ﷺ، فقال المشركون: قد وُدِّعَ محمدٌ! فأنزل اللهُ ﷿: ﴿وَالضُّحَى ١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣﴾ ". وفي "الصحيحين" من حديث جندب بن سفيان البجلي ﵁ قال: "اشتكى رسول الله ﷺ، فلم يقم ليلتين أو ثلاثًا، فجاءت امرأةٌ فقالت: يا محمد؛ إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، لم أَرَهُ قَرِبَك منذ ليلتين أو ثلاثًا. فأنزل الله ﷿: ﴿وَالضُّحَى ١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ". البخاري رقم (١٠٧٢، ٤٦٦٧، ٤٦٦٨، ٤٦٩٧)، ومسلم رقم (١٧٩٧). وذكر أهل التفسير أسبابًا أخرى لنزول هذه الآيات، تكلَّم عنها الحافظ في "الفتح" (٨/ ٥٩٣) وقال: "كل هذه الروايات لا تثبت".
(٣) من قوله: "عنه، حتى قال. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).