التبيان

وأيضًا؛ فإنَّ الذي فَلَقَ ظلمةَ الليل عن ضوءِ النَّهار؛ هو الذي فَلَقَ ظلمة الجهل والشرك بنور الوحي والنُّبوَّة، فهذان للحِسِّ، وهذان للعقل.

وأيضًا؛ فإنَّ الذي اقتضت رحمتُهُ أن لا يترك عبادَهُ في ظلمة الليل سرمدًا، بل هداهم بضوء النَّهار إلى مصالحهم ومعايشهم = لا يليق به أن يتركهم في ظلمة الجهل والغَيِّ، بل يهديهم بنور الوحي والنُّبوَّة إلى مصالحهم في دنياهم وآخرتهم.

فتأمَّلْ حُسْنَ ارتباطِ المُقْسَم به بالمُقْسَم عليه، وتأمَّلْ هذه الجزالةَ والرَّوْنَقَ الذي على هذه الألفاظ، والجلالةَ التي على معانيها.

ونفَى - سبحانه - أن يكون ودَّعَ نبيَّهُ أو قَلَاهُ، فالتوديع: التَّرْكُ، والقِلَى: البُغْضُ، فما تَرَكَهُ منذ اعتنى به وأكرمه، ولا أبغَضَهُ منذ أحبَّهُ.

وأطلق - سبحانه - أنَّ الآخرة خيرٌ له من الأُولَى، وهذا يَعُمُّ كلَّ أحواله، وأنَّ كلَّ حالةٍ يُرقّيه إليها هي خيرٌ له ممَّا قبلها، كما أنَّ الدارَ الآخرة خيرٌ له ممَّا قبلها.

ثُمَّ وَعَدَهُ بما تَقَرُّ به عَيْنُهُ، وتفرَحُ به نفسُهُ، وينشرحُ به صدرُهُ، وهو أن يعطيه فَيُرضِيه١؛ وهذا يَعُمُّ ما يعطيه من القرآنِ، والهُدَى، والنَّصْرِ، وكثرةِ الأتْبَاع، ورَفْع ذِكْرِهِ، وإعلاءِ كلمتِه، وما يعطيه بعد مماته، وما يعطيه في موقف القيامة، وما يعطيه في الجَنَّة.

وأمَّا ما يغترُّ به الجُهَّالُ، من أنَّه لا يرضَى وواحدٌ من أُمَّته في النَّار،

  1. (١) في (ن) و(ح) و(م): فيرضى.
111

أو لا يرضَى أن يدخل أحدٌ من أُمَّته النَّار = فهذا منِ غرور الشيطان لهم، ولَعِبهِ بهم، فإنَّه -صلوات الله وسلامه عليه - يرضى بما يرضَى به ربُّهُ ﵎، وهو - سبحانه - يُدخِل النَّارَ من يستحقُّها من الكفار، والعُصَاة، والمنافقين من هذه الأُمَّة وغيرها١، ثُمَّ يَحُدُّ لرسوله حَدًّا يشفع فيهم، ورسولُهُ أَعْرَفُ به وبحقِّهِ من أن يقول: لا أرضى أن تُدخِلَ أحدًا من أُمَّتي النَّار، أو تَدَعَهُ فيها، بل رَبُّهُ ﵎ يأذن له، فيشفع فيمن شاء اللهُ أن يشفع فيه، ولا يشفع في غير من أذِنَ له، ورضيَهُ تعالى٢.

  1. (١) "والمنافقين من هذه الأمة وغيرها" ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) قول المؤلف ﵀: وأما ما يغتر به الجهَّال؛ من أنه لا يرضى أن. . . إلخ قد تابعه عليه جماعة من أهل العلم، منهم القسطلاني في "المواهب اللدنية" (٣/ ١٩٥)، وعنه القاسمي في "محاسن التأويل" (٧/ ٣٤٠).
    وهذا المعنى الذي ردَّهُ قد ورد مرفوعًا وموقوفًا:
    فأما المرفوع؛ فهو مروي عن:
    ١ - علي ﵁؛ عَزَاه الزرقانيُّ في "شرح المواهب" (٦/ ٢١٢ - ٢١٣) إلى الديلمي في "الفردوس".
    ٢ - وابن عباس ﵄؛ أخرجه الخطيب البغدادي في "تلخيص المتشابه" (١/ ١٧٣) رقم (٢٧٢) من طريق: عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس قال: حدثني أبي، عن جدي، عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥﴾ قال: "لا يرضى محمدٌ وأحدٌ من أُمَّته في النار".
    وعبد الصمد بن علي: ذكره العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٨٣٧)، وقال الذهبي: "ليس بحجة". "ميزان الاعتدال" (٣/ ٣٣٤).
    وأما الموقوف؛ فهو عن:
    ١ - علي ﵁؛ عَزَاه الزرقانيُّ في "شرح المواهب" (٦/ ٢١٣) إلى =
112

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي