التبيان

السياق يدلُّ على أنَّها الخيل، وهو قوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ٢﴾، و"الإيرَاءُ" لا يكون إلا للحَافِرِ لصلابته، وأمَّا الخُفُّ ففيه لِينٌ واسترخاءٌ" انتهى.

قالوا: و"الضَّبْحُ" في الخيلِ أظهرُ منه في الإبل١، و"الإيرَاءُ" لسَنَابِكِ الخيل أَبْيَنُ منه لأخفاف الإبل.

قالوا: و"النَّقْعُ" هو الغُبار، وإثارة الخيل بعَدْوِها له أظهر من إثارة أخفاف الإبل؛ لأنَّها لصلابة حَوَافِرها وسنابكها تثير من الغُبار بعَدْوِها ما لا تثيره أخفاف الإبل. والضمير في "به" عائدٌ على المكَان الذي تعدو فيه.

قالوا: وأعظم ما يَثُورُ الغُبارُ عند الإغَارَة إذا توسَّطَت الخيلُ جَمْعَ العَدُوِّ، لكثرةِ حركتها واضطرابها في ذلك المكان.

وأمَّا حمل الآية على إثارة الغُبار في وادي "مُحَسِّر" عند الإغارة = فليس بالبيِّنِ، ولا يثُور هناك غُبارٌ في الغالب؛ لصلابة المكان.

قالوا: وأمَّا قولكم إنَّه لم يكن بمكَّة حين نزول الآية جهادٌ ولا خيلُ مجاهدين، فهذا لا يلزِم؛ لأنَّه - سبحانه - أقسَمَ بما يعرفونه من شأن الخيل إذا كانت في غزْوٍ، فأَغَارَتْ فأَثَارَت النَّقْعَ، وتوسَّطَت جَمْعَ العَدُوِّ، وهذا أمرٌ معروفٌ.

وذِكْرُ خيلِ المجاهدين أحقُّ ما دخل في هذا الوصف، فذِكْرُهُ على وجهِ التمثيل لا الاختصاص، فإنَّ هذا شأنُ خيل المقاتِلة، وأشرف أنواع

  1. (١) انظر: "لسان العرب" (٨/ ١٣)، و"تاج العروس" (٦/ ٥٦٢).
120

هذا الخيل: خيلُ المجاهدين١.

والقَسَمُ إنَّما وقع بما تضمَّنه شأن هذه "العاديات" من الآيات البيِّنات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم الحيوان البهيم وأشرفه، وهو الذي يحصل به الغَزْوُ٢ والظَّفَر، والنَّصْرُ على الأعداء، فتَعْدُو طالبةً للعَدُوِّ وهاربةً منه، فَيُثيرُ عَدْوُها الغُبارَ لشدَّتِهِ، وتُورِي حَوَافِرُها وسَنَابِكُها النَّارَ من الأحجار؛ لشدَّة عَدْوِها، فَتُدْرِكُ الغَارَة التي طَلَبَتْها حتَّى تتوسَّط جَمْعَ الأعداء، فهذه من أعظم آيات الرَّبِّ - تعالى - وأدلَّةِ قدرته وحكمته.

فذكَّرَهم بِنعَمِه عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم، ويُدْرِكُون به ثأْرَهم. كما ذكَّرهم - سبحانه - بِنعَمِه٣ عليهم في خلق الإبل التي تحمل٤ أثقالهم من بلدٍ إلى بلدٍ، فالإبلُ أَخَصُّ بحَمْلِ الأثقال، والخيلُ أخصُّ بنُصْرَةِ الرجال، فذكَّرَهم بنعَمِه بهذا وهذا.

وخصَّ الإغارة بالصُّبْح؛ لأنَّ العَدُوَّ لم ينتشروا إذ ذاك، ولم يفارقوا مَحَلَّهم٥، وأصحاب الإغارة جامُّون مستريحون، يبصرون مواقع الغَارَة، والعَدُوُّ لم يأخذوا أُهْبَتَهم، بل هم في غِرَّتِهم وغَفْلَتِهم، ولهذا كان النبيُّ ﷺ إذا أرادَ الغَارَة صبر حتَّى يطلع الفجر، فإن سمع

  1. (١) وقد رجَّح المؤلف أنَّها "الخيل" من ستة أوجه في كتابه "الفروسية" (٥٦ - ٥٩).
  2. (٢) من (ز)، وفي باقي النسخ: العِزُّ.
  3. (٣) ساقط من (ز).
  4. (٤) ساقط من (ز).
  5. (٥) في (ن) و(ز): محلتهم.
121

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي