والقَسَمُ إنَّما وقع بما تضمَّنه شأن هذه "العاديات" من الآيات البيِّنات من خلق هذا الحيوان الذي هو من أكرم الحيوان البهيم وأشرفه، وهو الذي يحصل به الغَزْوُ٢ والظَّفَر، والنَّصْرُ على الأعداء، فتَعْدُو طالبةً للعَدُوِّ وهاربةً منه، فَيُثيرُ عَدْوُها الغُبارَ لشدَّتِهِ، وتُورِي حَوَافِرُها وسَنَابِكُها النَّارَ من الأحجار؛ لشدَّة عَدْوِها، فَتُدْرِكُ الغَارَة التي طَلَبَتْها حتَّى تتوسَّط جَمْعَ الأعداء، فهذه من أعظم آيات الرَّبِّ - تعالى - وأدلَّةِ قدرته وحكمته.
فذكَّرَهم بِنعَمِه عليهم في خلق هذا الحيوان الذي ينتصرون به على أعدائهم، ويُدْرِكُون به ثأْرَهم. كما ذكَّرهم - سبحانه - بِنعَمِه٣ عليهم في خلق الإبل التي تحمل٤ أثقالهم من بلدٍ إلى بلدٍ، فالإبلُ أَخَصُّ بحَمْلِ الأثقال، والخيلُ أخصُّ بنُصْرَةِ الرجال، فذكَّرَهم بنعَمِه بهذا وهذا.
وخصَّ الإغارة بالصُّبْح؛ لأنَّ العَدُوَّ لم ينتشروا إذ ذاك، ولم يفارقوا مَحَلَّهم٥، وأصحاب الإغارة جامُّون مستريحون، يبصرون مواقع الغَارَة، والعَدُوُّ لم يأخذوا أُهْبَتَهم، بل هم في غِرَّتِهم وغَفْلَتِهم، ولهذا كان النبيُّ ﷺ إذا أرادَ الغَارَة صبر حتَّى يطلع الفجر، فإن سمع
(١) وقد رجَّح المؤلف أنَّها "الخيل" من ستة أوجه في كتابه "الفروسية" (٥٦ - ٥٩).
(٢) من (ز)، وفي باقي النسخ: العِزُّ.
(٣) ساقط من (ز).
(٤) ساقط من (ز).
(٥) في (ن) و(ز): محلتهم.
مُؤَذِّنًا أَمْسَكَ، وإلا أَغَارَ١.
ولمَّا علم أصحاب الإبل أنَّ أَخْفَافَها أَبْعَدُ شيءٍ من وَرْي النَّارِ؛ تأوَّلُوا الآيةَ على وجوهٍ بعيدة.
فقال محمد بن كعب القُرَظي: "هُمُ الحاجُّ إذا أوقدوا نيرانَهم ليلةَ المزدلفة"٢.
وعلى هذا فيكون٣ التقدير: فالجماعات المُورِيَات.
وهذا خلاف الظاهر؛ وإنَّما "المُورِيات" هي: العَادِيَات، وهي: المُغِيرات.
روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: "هم الذين يغيرون، فَيُورُون بالليل نيرانهم لطعامهم وحاجتهم"٤. كأنَّه أخَذَهُ من قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ٧١﴾[الواقعة: ٧١].
وهذا إن أُريد به التمثيل، وأنَّ الآية تدلُّ عليه = فصحيحٌ. وإن أُريد به اختصاص "الموريات" به فليس كذلك؛ لأنَّ "الموريات" هي
(١) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٦١٠، ٢٩٤٣)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٣٨٢)؛ من حديث أنس ﵁.
(٢) انظر: "معالم التنزيل" (٨/ ٥٠٨)، و"زاد المسير" (٨/ ٢٩٦). وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٦٥٣) إلى: عبد بن حميد.
(٣) أثبته من (ح) و(م).
(٤) أخرجه: ابن جرير في "جامع البيان" (١٢/ ٦٦٨) رقم (٣٧٧٩٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ رقم ١٩٤٤٢). وعزاه السيوطي إلى: ابن الأنباري في "المصاحف"، والحاكم، وابن مردويه. "الدر المنثور" (٦/ ٦٥٢).