التبيان

وتفسير النَّاس يدور على ثلاثة أصول:

١ - تفسيرٌ على اللفظ؛ وهو الذي ينحو إليه المتأخرون.

٢ - وتفسيرٌ على المعنى؛ وهو الذي يذكره السلف.

٣ - وتفسيرٌ على الإشارة والقياس؛ وهو الذي ينحو إليه كثيرٌ من الصوفية وغيرهم. وهذا لا بأس به بأربعة شرائط:

١ - أن لا يناقض معنى الآية.

٢ - وأن يكون معنىً صحيحًا في نفسه.

٣ - وأن يكون في اللفظ إشعارٌ به.

٤ - وأن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباطٌ وتلازُمٌ.

فإذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة كان استنباطًا حسنًا.

وأضعفُ من ذلك كلِّه قولُ ابنِ جُريج: " ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا ٢﴾ يعني: فالمُنْجِحَات أَمْرًا، يريد البالغين نُجْحَهُم فيما طلبوه"١.

وعطف قوله: ﴿فَأَثَرْنَ﴾ و﴿فَوَسَطْنَ﴾ - وهما فِعْلَان - على:

  1. = بـ "الموريات" التي توري النيران قدحًا، فالخيل توري بحوافرها، والنَّاس يورونها بالزَّند، واللسان - مثلًا - يوري بالمنطق، والرجال يورون بالمكر - مثلًا -، وكذلك الخيل تهيِّج الحرب بين أهلها إذا التقت في الحرب، ولم يضع الله دلالةً على أن المراد من ذلك بعضٌ دون بعضٍ، فكلُّ ما أورت النَّار قدحًا؛ فداخلة فيما أقسَمَ به، لعموم ذلك بالظاهر".
    وانظر: "المحرر الوجيز" (١٥/ ٥٤٥)، و"الجامع" (٢٠/ ١٥٧).
  2. (١) انظر: "الجامع" للقرطبي (٢٠/ ١٥٧).
124

العاديات، والموريات؛ لما فيه من معنى الفعل، وكان ذكرُ١ الفعل في "أثَرْنَ" و"وَسَطْنَ" أحسنَ من ذكر الاسم؛ لأنَّه - سبحانه - قَسَّمَ أفعالهنَّ إلى قسمين: وسيلةٍ، وغايةٍ.

فالوسيلة هي العَدْوُ وما يتبعه من الإيْرَاءِ والإغَارَةِ.

والغاية هي توسُّط الجَمْعِ وما يتبعه من إثارة النَّقْع.

فهُنَّ عادياتٌ، مورياتٌ، مُغِيراتٌ، حتَّى يتوَسَّطْنَ الجَمْعَ، ويُثِرنَ النَّقْعَ.

فالأوَّلُ: شَأنُهُنَّ الذي أُعْدِدْنَ له.

والثاني: فعلُهُنَّ الذي انْتَهَين إليه، والله أعلم.

فصل٢

فهذا شأن القَسَم، وأمَّا شأن المُقْسَم عليه فهو حال الإنسان، وهو كونُ الإنسان كَنُودًا -بشهادته على نفسه، أو شهادة ربِّه عليه -، وكونُه بخيلًا لحُبِّه المال.

و"الكَنُود": الكَفُور للنِّعمة، وفعله: كَنَدَ يَكْنُدُ كُنُودًا، مثل: كَفَرَ يَكْفُرُ كُفُورًا. والأرض الكَنُود: التي لا تنبت شيئًا، وامرأةٌ كُنُدٌ أي: كَفُورٌ للمعاشرة٣.

وأصل اللفظة: مَنْعُ الحقِّ والخير، ورجلٌ كَنُودٌ: إذا كان مانعًا لما

  1. (١) في (ز): ذلك.
  2. (٢) من (ح) و(م)، وبياض في (ن) و(ط).
  3. (٣) انظر: "مقاييس اللغة" (٥/ ١٤٠)، و"لسان العرب" (١٢/ ١٦٤).
125

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي