و"الشَّدِيد": البخيل، والمعنى: وإنَّه لبخيلٌ من أَجْل حُبِّ المال، فحُبُّ المال هو الذي حمله على البُخْل، هذا قول الأكثرين٢.
وقال ابن قتيبة: "بل المعنى: إنَّه شديدُ الحُبِّ للخير، فتكون "اللَّامُ " في قوله ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ متعلِّقةً بقوله: ﴿لَشَدِيدٌ ٨﴾ على حدِّ تعلُّقِ قولك: إنَّهُ لِزَيْدٍ لَضَارِبٌ"٣.
(١) قال الألوسي: "وورد بهذا المعنى في القرآن كثيرًا، حتى زعم عكرمة أن "الخير" حيث وقع في القرآن فهو المال. وخصَّهُ بعضهم بالمال الكثير، وفُسِّر به في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾[البقرة: ١٨٠] ". "روح المعاني" (١٥/ ٤٤٥) وأُطلق "الخير" في القرآن على معانٍ كثيرة، أوصلها الثعالبي إلى اثنين وعشرين وجهًا. "الأشباه والنظائر" (١٣٣). وفسَّره ابن زيد بـ: الدنيا، وهذا لا يتعارض مع ما ذكره ابن القيم هنا، ولهذا قال ابن عطية: "ويحتمل أن يريد هنا الخير الدنيوي من مالٍ، وصحةٍ، وجاهٍ عند الملوك ونحوه". "المحرر الوجيز" (١٥/ ٥٥٠).
(٣) المفسرون ينقلون هذا القول عن الفرَّاء أحد أئمة الكوفيين. قال الفرَّاء: "أصل نظم الآية أن يقال: وإنه لشديدُ الحُبِّ للخير، فلمَّا قدَّم "الحبَّ" قال: لشديد، وحَذَفَ من آخره ذكر "الحُبِّ"؛ لأنَّه قد جرى ذكره، ولرؤوس الآي، كقوله: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾[إبراهيم: ١٨] والعُصُوف للريح لا لليوم، كأنَّه قال: في يومٍ عاصِفِ الريح". "معاني القرآن" (٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦). وانظر: "جامع البيان" (١٢/ ٦٧٣)، و"الجامع" (٢٠/ ١٦٢ - ١٦٣). وذكر ابن الجوزي أنَّ ابن قتيبة يقول بقول الأكثرين. "زاد المسير" (٨/ ٢٩٧)، وانظر "تأويل مشكل القرآن" (٢٠٠).
ومَنَعَت طائفةٌ من النُّحَاة أن يعمل ما بعد "اللَّام" فيما قبلها، وهذه الآيات حُجَّةٌ على الجواز، فإنَّ قوله: ﴿لِرَبِّهِ﴾ معمول ﴿لَكَنُودٌ ٦﴾، وقوله: ﴿عَلَى ذَلِكَ﴾ معمول ﴿لَشَهِيدٌ ٧﴾، ولا وجه للتكلُّف البارد في تقدير عامِلٍ مقدَّمٍ محذوفٍ يفسِّرُه هذا المذكور، فالحقُّ جوازُ: إنِّي لِزَيْدٍ لَضَارِبٌ.
فوصف - سبحانه - الإنسانَ بكفران نِعَمِ رَبِّهِ، وبُخْلِهِ بما آتاه من الخير، فلا هو شكورٌ لِنعَمِ الله، ولا محسِنٌ إلى خلق الله، بل بخيلٌ بشكر الله، بخيل بمال الله، وهذا ضِدُّ المؤمن الكريم، فإنَّه مخلِصٌ لربِّهِ، محسِنٌ إلى خلقه١، فالمؤمن له الإخلاص والإحسان، والفاجر له الكفر والبخل.
وقد ذَمَّ الله - سبحانه - هذين الخُلُقَين المُهْلِكَين في غير موضعٍ من كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ٤ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ٥ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ٦ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ٧﴾[الماعون: ٤ - ٧]، فلا إخلاص ولا إحسان.