التبيان

﴿وَتَوَاصَوْا﴾؛ فإنَّ التَّوَاصي هو أَمْرُ الغَير بالإيمان والعمل الصالح، وهو قدرٌ زائدٌ على مجرَّدِ فعله، فمن لم يكن كذلك فقد خَسِر هذا الربح، فصار في خُسْرٍ، ولا يلزم أن يكون في أسفل سافلين، فإنَّ الإنسان قد يقوم بما يجب عليه ولا يأمر غيره به١، فإنَّ الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر مرتبةٌ زائدةٌ؛ وقد يكون فرضًا على الأعيان، وقد يكون فرضًا على الكفاية، وقد يكون مستحبًّا.

و"التواصي بالحقِّ" يدخل فيه: الحقُّ الذي يجب، والحقُّ الذي يستحب. و"الصبر" يدخل فيه: الصبر الذي يجب، والصبر الذي يستحب.

فهؤلاء إذا تواصوا بالحقّ وتواصوا بالصبر حصل لهم من الربح ما خسره أولئك الذين قاموا بما يجب عليهم في٢ أنفسهم ولم يأمروا غيرهم به، وإن كان أولئك لم يكونوا من الذين خسروا أنفسهم وأهليهم.

فمُطْلَقُ الخَسَار شيءٌ، والخَسَارُ المطلقُ شيءٌ، وهو - سبحانه - إنَّما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ٢﴾، ومن ربح في سلعةٍ وخسر في غيرها قد يطلق عليه أنَّه: في خُسْرٍ، وأنَّه: ذو خُسْرٍ، كما قال عبد الله بن عمر ﵄: "لقد فرَّطْنا في قَرَارِيطَ كثيرةٍ"٣٤، فهذا

  1. (١) من (ط)، وسقط من باقي النسخ.
  2. (٢) في (ز): من.
  3. (٣) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (١٢٦٠)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٩٤٥)؛ من طريق جرير بن حازم قال: سمعتُ نافعًا يقول:
    حُدِّثَ ابنُ عمر: أنَّ أبا هريرة ﵃ يقول: "من تَبِعَ جَنازةً فله قيراطٌ" فقال: أكثر أبو هريرة علينا. فبعث إلى عائشة فسألها، فصدَّقت أبا هريرة، وقالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقوله. فقال ابن عمر ﵄ … فذكره.
  4. (٤) من هنا يبدأ السقط في النسخة (ك)، وينتهي (ص/ ١٩٤).
135

نوعُ تفريطٍ، وهو نوعُ خُسْرٍ بالنسبة إلى من حصَّلَ ربح ذلك.

ولمَّا قال في سورة "والتين": ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ٥﴾ قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فقسَّمَ النَّاسَ في هذين القسمين فقط.

ولمَّا كان الإنسان له قُوَّتان: قوَّةُ العلم، وقوَّةُ العمل. وله حالتان: حالةٌ يأتمر فيها بأمر غيره، وحالةٌ يأمر فيها غيره = استثنى - سبحانه - من كمَّلَ قوَّته العلميَّة بالإيمان، وقوَّته العَمَليَّة بالعمل الصالح، وانقاد لأمر غيره له بذلك، وأمَرَ غيرَه به١؛ من الإنسان الذي هو في خُسْرٍ.

فإنَّ العبد له حالتان: حالةُ كمالٍ في نفسه، وحالةُ تكميلٍ لغيره.

وكماله وتكميله موقوفٌ على أمرين: علمٌ بالحقِّ، وصبرٌ عليه.

[فـ]٢ ـانتظمت هذه الآية جميع مراتب الكمال الإنساني، من العلم النافع، والعمل الصالح، والإحسان إلى نفسه بذلك، وإلى أخيه به، وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك.

وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ٣﴾ إرشادٌ إلى منصب الإمامة في الدِّين، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤﴾ [السجدة: ٢٤]، فبالصبر واليقين تُنَالُ الإمامةُ في الدِّين.

و"الصبر" نوعان:

نوعٌ بالمقدور٣، كالمصائب.

  1. (١) ساقط من (ز).
  2. (٢) زيادة يقتضيها السياق.
  3. (٣) أي: نوعٌ يتعلق بالمقدور، ونوعٌ يتعلق بالمشروع.
136

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي