التبيان

الموعود" وهو يوم القيامة١، وهو المُقْسَمُ به وعليه، كما أنَّ القرآن يُقْسَمُ به وعليه.

ودلَّ على وقوع اليوم الموعود باتفاق الرُّسُل عليه، وبما عرَّفَ عبادَهُ من حكمته وعزَّتِه التي تأْبَى أن يتركهم سُدَىً، ويخلقهم عبثًا. وبغير ذلك من الآيات والبراهين التي يستدِلُّ بها - سبحانه - على إمكانه تارةً، وعلى وقوعه تارةً، وعلى تنزيهه عمَّا يقول أعداؤه من أنه لا يأتي به تارةً. فالإقسام به عند من آمن بالله كالإقسام بالسماء وغيرها من الموجودات المُشَاهَدَةِ بالعِيَان.

ثُمَّ أقسَمَ - سبحانه - بـ "الشاهد" و"المشهود"، مُطْلَقَين غير مُعَيَّنَين، وأَعَمُّ المعاني فيه أنه: المُدْرِك والمُدْرَك، والعالِم والمعلوم، والرائي والمرئي؛ وهذا أليق المعاني به٢، وما عداه من الأقوال ذُكِرت على وجه التمثيل، لا على وجه التخصيص٣.

  1. (١) باتفاق المفسرين، انظر: "المحرر الوجيز" (١٥/ ٣٨٤)، و"الجامع" (١٩/ ٢٨١)، و"تفسير السمعاني" (٦/ ١٩٤).
  2. (٢) وهذا اختيار ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (١٢/ ٥٢٣)، قال:
    "والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أقسم بشاهدٍ شَهِدَ، ومشهودٍ شُهِدَ، ولم يخبرنا مع إقسامه بذلك أيَّ شاهدٍ وأىَّ مشهود أراد، وكل الذي ذكرنا أن العلماء قالوا هو المعنيُّ؛ مما يستحق أن يقال له: شاهد ومشهود".
    وانظر: "البحر المحيط" (٨/ ٤٤٣)، و"محاسن التأويل" (٧/ ٢٩٥).
  3. (٣) وقد حكى الواحديُّ في "الوسيط" (٤/ ٤٥٨)، والبغوي في "معالم التنزيل" (٨/ ٣٨١) أنَّ أكثر المفسرين على القول بأنَّ "الشاهد": يوم الجمعة، و"المشهود": يوم النَّحْر أو يوم عرفة، وروي في ذلك أحاديث مرفوعة، لكنها لا تصح.
    وانتصر لهذا القول: الشوكاني في "فتح القدير" (٥/ ٤٨٣) ونسبه إلى =
140

فإن قيل: فما وجه الارتباط بين هذه الثلاثة المُقْسَم بها؟

قيل: هي - بحمد الله - في غاية الارتباط، والإقسامُ بها متناوِلٌ لكلِّ موجودٍ في الدنيا والآخرة، وكلٌّ منها آيةٌ مستقلَّةٌ دالَّةٌ على ربوبيته وإلهيَّته.

فأقسَمَ بالعالم العُلْويِّ، وهو السماء وما فيها من البروج، التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها.

ثُمَّ أقسَمَ بأعظم الأيام وأَجَلِّها قدرًا، الذي هو مَظْهَرُ مُلْكِهِ، وأمره، ونهيه، وثوابه، وعقابه، ومجْمَعُ أوليائه وأعدائه، والحكم بينهم بعلمه وعدله.

ثُمَّ أقسَمَ بما هو أعمُّ١ من ذلك كلِّه٢، وهو "الشاهد" و"المشهود". وناسَبَ هذا القَسَم ذِكْرَ أصحابِ الأخدود الذين عَذَّبُوا أولياءَهُ، وهم شهودٌ على ما يفعلون بهم، والملائكةُ شهودٌ عليهم بذلك، والأنبياءُ، وجوارحُهم تشهد به عليهم.

وأيضًا؛ فـ "الشاهد" هو: المُطَّلِعُ، والرقيبُ، والمخبِرُ. و"المشهود" هو: المُطَّلَعُ عليه، المخبَرُ به، المُشَاهَدُ.

فمن نوَّعَ الخليقةَ إلى شاهدٍ ومشهودٍ وهو أقدر القادرين، كما

  1. = جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
    وانظر بقية الأقوال في: "المحرر الوجيز" (١٥/ ٣٨٥ - ٣٨٧)، و"زاد المسير" (٨/ ٢١٦ - ٢١٧)، و"الجامع" (١٩/ ٢٨١ - ٢٨٤).
  2. (١) في (ز): أعظم.
  3. (٢) ساقط من (ز).
141

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي