التبيان

فإن قيل: فما وجه الارتباط بين هذه الثلاثة المُقْسَم بها؟

قيل: هي - بحمد الله - في غاية الارتباط، والإقسامُ بها متناوِلٌ لكلِّ موجودٍ في الدنيا والآخرة، وكلٌّ منها آيةٌ مستقلَّةٌ دالَّةٌ على ربوبيته وإلهيَّته.

فأقسَمَ بالعالم العُلْويِّ، وهو السماء وما فيها من البروج، التي هي أعظم الأمكنة وأوسعها.

ثُمَّ أقسَمَ بأعظم الأيام وأَجَلِّها قدرًا، الذي هو مَظْهَرُ مُلْكِهِ، وأمره، ونهيه، وثوابه، وعقابه، ومجْمَعُ أوليائه وأعدائه، والحكم بينهم بعلمه وعدله.

ثُمَّ أقسَمَ بما هو أعمُّ١ من ذلك كلِّه٢، وهو "الشاهد" و"المشهود". وناسَبَ هذا القَسَم ذِكْرَ أصحابِ الأخدود الذين عَذَّبُوا أولياءَهُ، وهم شهودٌ على ما يفعلون بهم، والملائكةُ شهودٌ عليهم بذلك، والأنبياءُ، وجوارحُهم تشهد به عليهم.

وأيضًا؛ فـ "الشاهد" هو: المُطَّلِعُ، والرقيبُ، والمخبِرُ. و"المشهود" هو: المُطَّلَعُ عليه، المخبَرُ به، المُشَاهَدُ.

فمن نوَّعَ الخليقةَ إلى شاهدٍ ومشهودٍ وهو أقدر القادرين، كما

  1. = جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
    وانظر بقية الأقوال في: "المحرر الوجيز" (١٥/ ٣٨٥ - ٣٨٧)، و"زاد المسير" (٨/ ٢١٦ - ٢١٧)، و"الجامع" (١٩/ ٢٨١ - ٢٨٤).
  2. (١) في (ز): أعظم.
  3. (٢) ساقط من (ز).
141

نوَّعَها إلى مرئيٍّ لنا وغير مرئيٍّ، كما قال تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ٣٨ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ٣٩﴾ [الحاقة: ٣٨، ٣٩]، وكما نوَّعَها إلى أرضٍ وسماءٍ، وليلٍ ونهارٍ، وذكرٍ وأُنثَى، وهذا التنويع والاختلاف من آياته سبحانه = كذلك نوَّعَها إلى شاهدٍ ومشهودٍ.

وفيه سِرٌّ آخر؛ وهو أنَّ من المخلوقات ما هو مشهودٌ، ومنها ما هو شاهدٌ عليه، ولا يتمُّ نظام العالم إلا بذلك، فكيف يكون المخلوق شاهدًا رقيبًا حفيظًا على غيره، ولا يكون الخالق ﵎ شاهدًا على عباده، مطَّلِعًا عليهم رقيبًا؟!

وأيضًا؛ فإنَّ ذلك يتضمَّنُ القَسَمَ بملائكته وأنبيائه ورسله، فإنَّهم شاهدون على العباد، فيكون من باب اتحاد١ المقسَم به والمقسَم عليه، كما أقسم باليوم الموعود، وهو المقسَم به وعليه.

وأيضًا؛ فيوم القيامة مشهودٌ، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ١٠٣﴾ [هود: ١٠٣] يشهده الله، وملائكته، والإنس، والجنُّ، والوحش، فالشاهد من آياته، والمشهود من آياته.

وأيضًا؛ فكلامه مشهودٌ كما قال تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ٧٨﴾ [الإسراء: ٧٨]، تشهده ملائكة الليل، وملائكة النَّهار؛ فالمشهود من أعظم آياته، وكذلك الشاهد.

فكُلُّ ما وقع عليه اسم "شاهدٍ" و"مشهودٍ" فهو داخلٌ في هذا القَسَم، فلا وجه لتخصيصه ببعض الأنواع أو الأعيان إلا على سبيل

  1. (١) في (ز) و(ن) و(ط): ايجاد، وهو تصحيف، وما أثبته من (ح) و(م).
142

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي