والتحقيقُ: أنَّ اللفظ يدلُّ على الأمرين؛ على كونه وادًّا لأوليائه، مودُودًا لهم، فأحدهما بالوَضْع، والآخر باللزوم. فهو الحبيبُ المُحِبُّ لأوليائه، يحبُّهم ويحبُّونه. قال شعيب ﵇: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ٩٠﴾[هود: ٩٠].
وما ألطف اقتران اسم "الودود" بـ "الرحيم" وبـ "الغفور"، فإنَّ الرجل قد يغفر لمن أساء إليه٥ ولا يحبُّه، وكذلك قد يرحم من لا يحبُّه. والرَّبُّ - تعالى - يغفر لعبده إذا تاب إليه، ويرحمه، ويحبُّه مع ذلك، فإنَّه يحبُّ التوَّابين، وإذا تاب إليه عبدُهُ أحبَّهُ ولو كان منه ما كان.
ثُمَّ قال تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾، فأضاف "العرش" إلى نفسه، كما تُضَاف إليه الأشياء العظيمة الشريفة.
(١) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: المودود.
(٢) ساقط من (ز) و(ن) و(ط)، وأثبته من (ح) و(م).
(٣) ساقط من (ز).
(٤) كتاب التفسير، سورة البروج. "الفتح" (٨/ ٥٨١). وأيضًا؛ في كتاب التوحيد، باب: "وكان عرشه على الماء". "الفتح" (١٣/ ٤١٩). وقد علقه البخاري عن ابن عباس ﵄ من قوله، ووصله: ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (١٢/ ٥٢٩) رقم (٣٦٨٨٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما ذكر الحافظ في "تغليق التعليق" (٥/ ٣٤٥)؛ كلاهما من طريق: علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
(٥) ساقط من (ح) و(م).
وهذا يدلُّ على عظمةِ "العرش"، وقُرْبِهِ منه سبحانه، واختصاصه به، بل يدلُّ على غاية القُرْبِ والاختصاص، كما يضيف إلى نفسه بـ "ذو" صفاته القائمة به كقوله تعالى: ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾[الذاريات: ٥٨]، و﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ٢٧﴾[الرحمن: ٢٧]، ويقال: ذو العِزَّة، وذو المُلْك، وذو الرحمة، ونظائرُ ذلك. فلو كان حَظُّ "العرش" منه حظَّ الأرض السابعة لكان لا فرق بين أن يقال: ذو العرش، وذو الأرض.
ثُمَّ وصف نفسه بـ "المجيد"، وهو المتضمِّنُ لكثرةِ صفاتِ كماله وسعتها، وعدمِ إحصاءِ الخَلْقِ لها، وسَعَةِ أفعاله وكثرةِ خيرهِ ودوامه.
وأمَّا من ليس له صفاتُ كمالٍ ولا أفعالٌ حميدةٌ فليس له من المَجْد شيءٌ. والمخلوق إنَّما يصير مجيدًا بأوصافه وأفعاله، فكيف يكون الرَّبُّ ﵎ مجيدًا، وهو معطَلٌ عن الأوصاف والأفعال؟! تعالى اللهُ عمَّا يقول المعطِّلون١ علوًّا كبيرًا، بل هو٢ المجيدُ الفعَّالُ لما يريد.
و"المَجْدُ" في لغة العرب: كثرة أوصاف الكمال، وكثرة أفعال الخير٣.
وأحسن ما قُرِنَ اسم "المجيد" إلى "الحميد"، كما قالت الملائكة لبيت الخليل ﵇: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ٧٣﴾[هود: ٧٣]، وكما شُرِعَ لنا في آخر الصلاة بأن نُثْنِي على
(١) في (ز): الظالمون.
(٢) ساقط من (ز).
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (١٠/ ٦٨٢)، و"تفسير أسماء الله الحُسْنَى" للزجَّاج (٥٣)، و"اشتقاق أسماء الله" للزجَّاجي (١٥٢).