التبيان

الأمور وبواطنها، وإحاطة بَصَرِه بمرئياتها، وسَمْعِه بمسموعاتها، وعِلْمِه بمعلوماتها.

وَوَصْفِه بشدَّةِ البَطْش؛ المتضمِّن لكمال القُدْرَةِ والقوَّةِ والعِزَّةِ.

وتفرُّده بالإبْدَاءِ والإعَادَةِ؛ المتضمِّن لتوحيد ربوبيته وتصرُّفِه في المخلوقات بالإبداء والإعادة، وانقيادها لقدرته، فلا يَسْتَعْصِي عليه منها شيءٌ.

وَوَصْفِه بـ "المغفرة"؛ المتضمِّن لكمال جوده، وإحسانه، وغِنَاهُ، ورحمته.

وَوَصْفِه بـ "الودود"؛ المتضمِّن لكونه حبيبًا إلى عباده، مُحِبًّا لهم.

وَوَصْفِه بأنَّه "ذو العرش"؛ الذي لا يقدر قَدْرَه سواه، وأنَّه عرشُهُ المختصُّ به؛ الذي لا يليق بغيره أن يستوي عليه.

وَوَصْفِه بـ "المَجْد"؛ المتضمِّن لسعة العلم، والقدرة، والملك، والغنى، والجود، والإحسان، والكرم.

وكونِه فعَّالًا لما يريد؛ المتضمِّن لحياته، وعلمه، وقدرته، ومشيئته، وحكمته. وغير ذلك من أوصاف كماله.

فهذه السورة كتابٌ مستقلٌّ في أصول الدِّين، تكفي من فَهِمَها.

فـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]، و﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١].

ثُمَّ خَتَمَها بذِكْرِ فعله وعقوبته بمن أشركَ به، وكذَّبَ رُسُلَه؛ تحذيرًا

154

لعباده من سلوك سبيلهم، وأنَّ من فعل فعلهم فُعِلَ به كما فُعِلَ بهم.

ثُمَّ أخبر عن أعدائه بأنَّهم مكذِّبون بتوحيده ورسالاته مع كونهم في قبضته، وهو محيطٌ بهم، ولا أسوأَ حالًا ممَّن١ عادَى من هو في قبضته، ومن هو قادرٌ عليه٢ من كلِّ وجهٍ، وبكلِّ اعتبارٍ، فقال تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠﴾ [البروج: ١٩، ٢٠]، فهل أعجَبُ ممَّن كَفَرَ بمن هو محيطٌ به، آخِذٌ بناصيته، قادِرٌ عليه؟!

ثُمَّ وصَفَ كلامَهُ بأنَّه "مجيدٌ"، وهو أحقُّ بالمجد من كلِّ كلام، كما أنَّ المتكلِّم به له المجد كلُّه، فهو "المجيد"، وكلامُه مجيدٌ، وعرشه مجيدٌ.

قال ابن عباس ﵄: "قرآنٌ مجيدٌ: كريم"٣؛ لأنَّ كلامَ الرَّبِّ ليس هو كما يقول الكافرون: شعرٌ، وكهانةٌ، وسحرٌ. وقد تقدَّمَ أنَّ "المجدَ": السَّعَةُ، وكثرةُ الخير٤؛ وكثرةُ خير القرآن لا يعلمها إلا من تكلَّم به.

وقوله: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢﴾ [البروج: ٢٢]؛ أكثر القُرَّاء على الجرِّ،

  1. (١) في (ن) و(ط): بمن.
  2. (٢) من (ح) و(م)، وفي باقي النسخ: عليهم.
  3. (٣) ذكره البخاري معلقًا في كتاب التوحيد، باب: "وكان عرشه على الماء".
    ووصله: ابن أبي حاتم في "تفسيره" - كما في "تغليق التعليق" (٥/ ٣٤٥) -، وابن جرير في "تفسيره" (١٢/ ٥٢٩)، وانظر: "الفتح" (١٣/ ٤١٩).
    وزاد السيوطي نسبته إلى: ابن المنذر، والبيهقي في "الأسماء والصفات". "الدر المنثور" (٦/ ٥٥٧).
  4. (٤) راجع (ص/ ١٤٧).
155

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي