التبيان

ومُنْدَفِقٌ.

فالمَدْفُوق: الذي وقع عليه فِعْلُكَ كـ: المكسور، والمضروب.

والمُنْدَفِق: المُطَاوع لِفِعْلِ الفاعل؛ تقول: دَفَقْتُهُ فَانْدَفَقَ، كما تقول: كَسَرْتُهُ فانْكَسَر.

و"الدَّافِقُ"؛ قيل: إنَّه فاعلٌ بمعنى مفعول؛ كقولهم: سِرٌّ كَاتِمٌ، وعِيشَةٌ راضِيَةٌ.

وقيل: هو على النَّسَبِ؛ لا على الفعل، أي: ذي دَفْق، وذات رضىً١. ولم يُرِد الجريان عَلى الفعل.

وقيل: - وهو الصواب - إنَّه اسم فاعلٍ على بابه؛ ولا يلزم من ذلك أن يكون هو فاعل الدَّفْق، فإنَّ اسمَ الفاعل هو من قام به الفعل؛ سواء فَعَلَهُ هو أو غيرُه؛ كما يقال: ماءٌ جَارٍ، ورجلٌ مَيْتٌ وإن لم يفعل الموت، بل لمَّا قام به الموت نُسِب إليه على جهة الفعل٢.

وهذا غير مُنْكَرٍ في لُغةِ أُمَّةٍ من الأُمَم، فضلًا عن أوسع اللُّغات وأفصحِها.

وأمَّا "العيشة الراضية" فالوصفُ بها أحسنُ من الوصف بالمرضيَّةِ، فإنَّها اللَّائقة بهم، فشبَّهَ ذلك برِضَاها بهم كما رَضُوا بها، كأنَّها رَضِيَت بهم ورَضُوا بها، وهذا أبلغ من مجرَّدِ كونها مرضيَّةً فقط؛ فتأَمَّلْه.

  1. (١) "رضىً" ساقط من (ح) و(م).
  2. (٢) انظر لهذه الأقوال: "المحرر الوجيز" (١٥/ ٣٩٨)، و"الجامع" (٢٠/ ٤)، و"لسان العرب" (٤/ ٣٧٣).
161

وإذا كانوا يقولون: الوقت الحاضر، والساعة الراهنة - وإن لم يَفْعَلَا ذلك - فكيف يمتنع أن يقولوا: ماءٌ دافِقٌ، وعيشَةٌ راضيةٌ؟!

ونَبَّه - سبحانه - بكونه دافقًا على أنَّه ضعيفٌ غير متماسك. ثُمَّ ذَكَرَ مَحَلَّهُ الذي يخرج منه، وهو بين الصُّلْب والترائب.

قال ابن عباس: "يريدُ صُلْبَ الرَّجُل، وترائبَ المرأة - وهو موضع القِلَادة من صدرها -؛ والولدُ يُخْلَقُ من المائين جميعًا"١.

وقيل: صُلْبُ الرجل وتَرَائِبُهُ وهي صدره٢، فيخرج من صُلْبهِ

  1. (١) عزاه السيوطي إلى: عبد بن حميد، وابن أبي حاتم. "الدر المنثور" (٦/ ٥٦٠).
    وهذا هو المشهور عند المفسرين، وعليه أكثر العلماء، ومال إليه المؤلف في "تحفة المودود" (٤٤٩).
  2. (٢) وهو قول: الحسن، وقتادة. "النكت والعيون" (٦/ ٢٤٦)، و"المحرر الوجيز" (١٥/ ٣٩٩).
    وهذا القول هو الذي اختاره المؤلف في "إعلام الموقعين" (٢/ ٢٦٥)، ثم قال: "لأنَّه - سبحانه - قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧﴾، ولم يقل: يخرج من الصلب والترائب، فلا بد أن يكون ماء الرجل خارجًا من بين هذين المحَلَّين، كما قال في "اللَّبن" يخرج ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾.
    وأيضًا؛ فإنَّه - سبحانه - أخبر أنه خلقه من نطفةٍ في غير موضعٍ، والنطفة هي: ماء الرجل، كذلك قال أهل اللغة.
    وأيضًا؛ فإنَّ الذي يوصف بالدَّفْق والنَّضْح إنما هو ماء الرجل، ولا يقال: نَضَحَت المرأة الماء ولا دفَقَتْهُ.
    والذي أوجب لأصحاب القول الآخر ذلك؛ أنهم رأوا أهل اللغة قالوا: "الترائب": موضع القلادة من الصدر، قال الزجاج: "أهل اللغة مجمعون على ذلك"؛ وهذا لا يدل على اختصاص "الترائب" بالمرأة، بل يطلق على الرجل =
162

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي