التبيان

وإذا كانوا يقولون: الوقت الحاضر، والساعة الراهنة - وإن لم يَفْعَلَا ذلك - فكيف يمتنع أن يقولوا: ماءٌ دافِقٌ، وعيشَةٌ راضيةٌ؟!

ونَبَّه - سبحانه - بكونه دافقًا على أنَّه ضعيفٌ غير متماسك. ثُمَّ ذَكَرَ مَحَلَّهُ الذي يخرج منه، وهو بين الصُّلْب والترائب.

قال ابن عباس: "يريدُ صُلْبَ الرَّجُل، وترائبَ المرأة - وهو موضع القِلَادة من صدرها -؛ والولدُ يُخْلَقُ من المائين جميعًا"١.

وقيل: صُلْبُ الرجل وتَرَائِبُهُ وهي صدره٢، فيخرج من صُلْبهِ

  1. (١) عزاه السيوطي إلى: عبد بن حميد، وابن أبي حاتم. "الدر المنثور" (٦/ ٥٦٠).
    وهذا هو المشهور عند المفسرين، وعليه أكثر العلماء، ومال إليه المؤلف في "تحفة المودود" (٤٤٩).
  2. (٢) وهو قول: الحسن، وقتادة. "النكت والعيون" (٦/ ٢٤٦)، و"المحرر الوجيز" (١٥/ ٣٩٩).
    وهذا القول هو الذي اختاره المؤلف في "إعلام الموقعين" (٢/ ٢٦٥)، ثم قال: "لأنَّه - سبحانه - قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧﴾، ولم يقل: يخرج من الصلب والترائب، فلا بد أن يكون ماء الرجل خارجًا من بين هذين المحَلَّين، كما قال في "اللَّبن" يخرج ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾.
    وأيضًا؛ فإنَّه - سبحانه - أخبر أنه خلقه من نطفةٍ في غير موضعٍ، والنطفة هي: ماء الرجل، كذلك قال أهل اللغة.
    وأيضًا؛ فإنَّ الذي يوصف بالدَّفْق والنَّضْح إنما هو ماء الرجل، ولا يقال: نَضَحَت المرأة الماء ولا دفَقَتْهُ.
    والذي أوجب لأصحاب القول الآخر ذلك؛ أنهم رأوا أهل اللغة قالوا: "الترائب": موضع القلادة من الصدر، قال الزجاج: "أهل اللغة مجمعون على ذلك"؛ وهذا لا يدل على اختصاص "الترائب" بالمرأة، بل يطلق على الرجل =
162

وصَدْرِهِ١.

وهذه الآية الدَّالَّةُ على قدرة الخالق - سبحانه - نظير إخراجه اللَّبَنَ الخالِصَ من بين الفَرْثِ والدَّمِ.

ثُمَّ ذكر - سبحانه - الأمرَ المستَدَلَّ عليه وهو المَعَاد بقوله ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨﴾؛ أي: على رجعه إليه يوم القيامة، كما هو قادرٌ على خلقه من ماءٍ هذا شأنه.

هذا هو الصحيح في معنى الآية، وفيها قولان ضعيفان:

أحدهما: قول مجاهد: "إنَّه على ردِّ الماءِ في الإِحْلِيلِ لَقَادِرٌ"٢.

والثاني: قول عكرمة والضحَّاك: "إنَّه على ردِّ الماءِ في الصُّلْبِ لَقَادِرٌ"٣.

  1. = والمرأة، قال الجوهري: "الترائب: عظام الصدر ما بين التَّرْقُوة إلى الثَّنْدُوة"".
    وهذا يوافق - تمامًا - ما ثبت في العلم الحديث، وانظر: "خلق الإنسان بين الطب والقرآن" للبار (١١٤ - ١١٩) وفيه إيضاح، و"دليل الأنفس بين القرآن الكريم والعلم الحديث" لمحمد عز الدين توفيق (٣٤٩ - ٣٥٠).
  2. (١) قال المهدوي: "من جَعَل المنيَّ يخرج من بين صلب الرجل وترائبه فالضمير في "يخرج" للماء، ومن جعله من بين صلب الرجل وترائب المرأة فالضمير للإنسان".
    انظر: "الجامع" (٢٠/ ٧)، و"روح المعاني" (١٥/ ٣٠٩)، و"محاسن التأويل" (٧/ ٣٠١).
  3. (٢) أخرجه: الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٣٦).
    وزاد السيوطي نسبته إلى: عبد بن حميد، وابن المنذر. "الدر المنثور" (٦/ ٥٦١).
  4. (٣) أما أثر عكرمة فأخرجه: الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥٣٦). =
163

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي