التبيان

أحدها: أنَّه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المَعَاد.

الثاني: أنَّ ذلك أَدَلُّ على المطلوب من القدرة على رَدِّ الماءِ في الإحْلِيل.

الثالث: أنَّه لم يأت في القرآن لهذا المعنى نظيرٌ في موضعٍ واحد، ولا أنكره أحدٌ حتَّى يقيم - سبحانه - الدليلَ عليه.

الرابع: أنَّه قيَّدَ الفعلَ بالظَّرْفِ وهو قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩﴾ وهو يوم القيامة؛ أي: أنَّ الله قادرٌ على رجعه إليه حيًّا في ذلك اليوم.

الخامس: أنَّ الضمير في ﴿رَجْعِهِ﴾ هو الضمير في قوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ ١٠﴾ وهذا للإنسان - قطعًا - لا للماء.

السادس: أنه لا ذِكْرَ للإحْلِيل حتَّى يتعيَّنَ كَوْنُ الرَّجْع١ إليه، فلو قال قائلٌ: على رَجْعِه إلى الفَرْج الذي صُبَّ فيه؛ لم يكن فرقٌ بينه وبين هذا القول، ولم يكن أَوْلَى منه.

السابع: أنَّ رَدَّ الماءِ إلى الإحْلِيل أو الصُّلْب بعد خروجه منه غير معروفٍ، ولا هو أمرٌ معتادٌ جَرَتْ به القُدْرَةُ؛ وإن كان مقدورًا للرَّبِّ تعالى، ولكن هو لم يُخْبِر به، ولم تَجْرِ به العادةُ، ولا هو ممَّا تكلَّمَ النَّاسُ فيه نفيًا أو إثباتًا. ومثل هذا لا يقرِّرُهُ الرَّبُّ - تعالى - ولا يَسْتَدِلُّ

  1. = (٤/ ١٩٢).
    وانظر: "تفسير السمعاني" (٦/ ٢٠٣)، و"معالم التنزيل" (٨/ ٣٩٤)، و"الوسيط" (٤/ ٤٦٥)، و"المحرر الوجيز" (١٥/ ٤٠١)، وغيرهم.
  2. (١) في (ز): الراجع.
165

عليه١ على مُنْكِرِيه، وهو - سبحانه - إنَّما يستدلُّ على أمرٍ واقعٍ ولا بُدَّ، إمَّا قد وَقَعَ وَوُجِدَ، أو سيقع.

فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ٣ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ٤﴾ [القيامة: ٣، ٤]، أي: نجعلها كَخُفِّ البعير؟

قيل: هذه - أيضًا - فيها قولان: أحدهما: هذا٢. والثاني: - وهو الأرجح - أنَّ تسوية بَنَانه إعادتُها كما كانت بعدما فرَّقَها البِلَى في التراب٣.

الثامن: أنَّه - سبحانه - دعا الإنسانَ إلى النظر فيما خُلِقَ منه؛ لِيَرُدَّهُ نَظَرُهُ عن تكذيبه بما أُخْبِرَ به، وهو لم يُخْبَر بقدرة خالقه على رَدِّ الماءِ في إحْلِيله بعد مفارقته له، حتَّى يدعوه إلى النظر فيما خُلِق منه، ليستنتج منه صِحَّةَ إمكانِ ردِّ الماء.

التاسع: أنَّه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه وردِّ الماء في

  1. (١) في (ط): به، وفي (ح) و(م) زيادة: ويبيِّنه.
  2. (٢) وهو قول: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة، والحسن البصري، ومقاتل، والضحَّاك وغيرهم.
    واختاره ابن جرير الطبري في "جامع البيان" (١٢/ ٣٢٧ - ٣٢٨)، والنحَّاس في "إعراب القرآن" (١٠٢٨).
  3. (٣) وهذا قول: ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" (٣٤٦)، والزجَّاج في "معاني القرآن" (٥/ ٢٥١).
    واختاره كثير من المفسرين كـ: السمعاني في "تفسيره" (٦/ ١٠٢)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (١٥/ ٢٠٨)، والواحدي في "الوسيط" (٤/ ٣٩١)، والقرطبي في "الجامع" (١٩/ ٩٣)، وابن كثير في "تفسيره" (٨/ ٢٧٦)، وغيرهم.
166

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي