التبيان

الإحْلِيل بعد خروجه، ولا تلازم بينهما، حتَى يُجْعَلَ أحدُهما دليلًا على إمكان الآخر، بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد، والخَلْقِ الأوَّلِ والخَلْقِ الثاني، والنَّشْأَةِ الأُولَى والنَّشْأةِ الثانية؛ فإنَّه ارتباطٌ من وجوهٍ عديدةٍ، ويلزم من إمكانِ أحدِهما إمكانُ الآخر، ومن وقوعِه صحةُ وقوعِ الآخر، فَحَسُن الاستدلال بأحدهما على الآخر.

العاشر: أنَّه - سبحانه - نَبَّهَ بقوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ٤﴾ على أنَّه قد وكَّلَ به من يحفظ عليه عَمَلَهُ ويحصيه، فلا يضيع منه شيءٌ. ثُمَّ نَبَّهَ بقوله ﷿: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨﴾ على بعثه لجزائه على العمل الذي حُفِظَ وأُحْصِيَ عليه.

فذكر شأنَ مبدأ عملِه ونهايتِه، فمبدَؤُهُ محفوظٌ عليه، ونهايته الجزاء عليه، ونبَّهَ على هذا بقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩﴾ أي: تختبر السرائر١.

وقال مقاتل: "تظهر وتبدو"٢.

وبَلَوْتَ الشيءَ: إذا اختبرتَهُ ليظهر لك باطِنُه، وما خَفِيَ منه.

و"السرائر": جمع سَرِيرة، وهي سرائر الله التي بينه وبين عبده في ظاهره وباطنه. فالإيمان من السرائر، وشرائعه من السرائر، فتُخْتَبر ذلك

  1. (١) ساقط من (ز) و(ح) و(م).
  2. (٢) نقله عنه الواحديُّ في "الوسيط" (٤/ ٤٦٥)، قال السمعاني: "وهو الأولى". "تفسيره" (٦/ ٢٠٤).
    لكن في المطبوع من "تفسير مقاتل" (٣/ ٤٧٣): "يوم تبلى السرائر: يوم تختبر السرائر، كل سريرةٍ من الذنوب عَمِلَها ابنُ آدم".
167

اليوم حتَّى يظهر خيرُها من شرِّها، ومُؤَدِّيها من مضيِّعِها، وما كان لله ممَّا لم يكن له.

قال عبد الله بن عمر ﵄: "يُبْدِي اللهُ يومَ القيامة كلَّ سِرٍّ، فيكون زَينًا في الوجوه، وشَينًا فيها"١. والمعنى: تختبر السرائر بإظهارِها، وإظهارِ مقتضياتها من الثوابِ والعقابِ، والحَمْدِ والذَّمِّ.

وفي التعبير عن الأعمال بـ "السِّرِّ" لطيفةٌ، وهي أنَّ الأعمال نتائج السرائر الباطنة، فمن كانت سريرته صالحةً كان عمله صالحًا، فتبدو سريرتُه على وجهه نورًا وإشراقًا وحُسْنًا، ومن كانت سريرته فاسدةً كان عمله تابعًا لسريرته - لا اعتبارَ بصورته - فتبدو سريرته على وجهه سوادًا وظلمةً وشَينًا. وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنَّما هو عملُه لا سريرتُه، فيوم القيامة تبدو عليه سريرته، ويكون الحكم والظهور لها، وفي الحديث: "أنْقُوا٢ هذه السرائر؛ فإنَّه ما أسَرَّ امْرُؤٌ سريرةً إلَّا أَلْبسَهُ اللهُ رِدَاءَ سريرته"٣.

  1. (١) ذكره الواحديُّ في "الوسيط" (٤/ ٤٦٦)، والبغوي في "تفسيره" (٨/ ٣٩٤)، والقرطبي في "الجامع" (٢٠/ ٩).
  2. (٢) في (ط): ابقوا، وأهمل إعجامها في (ز) و(ن)، والصواب ما أثبته.
  3. (٣) هذا الحديث روي مرفوعًا وموقوفًا من حديث عثمان ﵁.
    فأمَّا المرفوع فأخرجه: ابن عدي في "الكامل" (٢/ ٧٨٩)، والطبري في "تفسيره" (٥/ ٤٥٩)، وابن أبي حاتم - كما في "كنز العمال" رقم (٨٤٢٧)، و"الدر المنثور" (٣/ ١٤٢) -، وأبو نعيم في "الحلية" (١٠/ ٢١٥)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (١/ ٣٠٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" رقم (٦٥٤٣)، والخطيب في "الموضح" (٢/ ٤٦٠).
    وإسناده ضعيف جدًّا، وقد ضعفه الطبري (٥/ ٤٥٦)، وابن كثير (٣/ ٤٠١)، =
168

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي