وكذلك قال مقاتل: "هو الذي يكون بعد غروب الشمس في الأُفُق قبل الظُّلْمة"١.
وقال عكرمة: "هو بَقِيَّةُ النَّهَار"٢؛ وهذا يحتمل أن يريد به أنَّ تلك الحُمْرَة بقية ضوء الشمس التي هي آية النَّهار.
وقال مجاهد: "هو النَّهار كلُّه"٣. وهذا ضعيفٌ جدًّا٤، وكأنَّه لمَّا رآهُ قَابَلَهُ بـ "الليل وما وسق"، ظنَّ أنَّه النَّهار، وهذا ليس بلازِمٍ.
الثاني: قَسَمُهُ بالليل وما وَسَقَ، أي: وما ضَمَّ، وحَوَى، وجَمَع.
والليل آيةٌ، وما ضَمَّهُ وحَوَاهُ آيةٌ أخرى. والقَمَرُ آيةٌ، واتساقُهُ آيةٌ أخرى.
و"الشَّفَقُ" يتضمَّنُ إدبارَ النَّهار، وهو آيةٌ، وإقبالَ الليل، وهو آيةٌ أخرى، فإنَّ هذا إذا أدبر خَلَفَهُ الآخَرُ، يتعاقبان لمصالح الخَلْقِ، فإدبارُ النَّهار آيةٌ، وإقبالُ الليل آيةٌ، وتَعَقُّبُ أحدِهِما للآخَرِ آيةٌ٥، والشَّفَقُ الذي هو متضمِّنٌ للأمرين آيةٌ.
(٣) أخرجه: عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٣٥٩)، وابن جرير في "تفسيره" (١٢/ ٥١٠ - ٥١١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤١١). وصححه ابن كثير في "تفسيره" (٨/ ٣٥٨).
(٤) وكذا قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١٥/ ٣٧٩)، وقال الشوكاني: "ولا وجه لهذا". "فتح القدير" (٥/ ٤٧٣).
(٥) هذه العبارة ساقطة من (ز)، وبدلًا عنها: وما حواه آية.
والليل آيةٌ، وما حَوَاهُ آيةٌ، والهلَالُ آيةٌ، وتزايده كلَّ ليلةٍ آيةٌ، واتِّساقُهُ - وهو امْتِلَاؤُه نُورًا - آيةٌ، ثُمَّ أَخْذُهُ في النقص آيةٌ. وهذه وأمثالُها آياتٌ دالَّةٌ على ربوبيته، مستلزِمَةٌ للعلم بصفات كماله.
ولهذا شُرِعَ عند إقبال الليل وإدبار النَّهار ذِكْرُ الرَّبِّ - تعالى - بصلاة المغرب، وفي الحديث: "اللهُمَّ هذا إقْبالُ لَيْلِكَ، وإدبارُ نَهَارِكَ، وأصْوَاتُ دُعَاتِك، وحضورُ صَلَوَاتِك"١. كما شُرِعَ ذكر الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النَّهار.
ولمَّا كان الرَّبُّ ﵎ يُحْدِثُ عند كلِّ واحدٍ من طَرَفَي إقبال الليل والنَّهار وإدبارِهِما ما يُحْدِثُهُ، ويَبُثُّ من خلقه ما شاء، فينشر
(١) أخرجه: أبو داود في "سننه" رقم (٥٣٠)، والترمذي في "سننه" رقم (٣٥٨٩)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠/ ٢٢٧)، وعبد بن حميد في "المنتخب" رقم (١٥٤١)، وأبو يعلى في "مسنده" رقم (٦٨٩٦)، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٠٣)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٩٩) رقم (٧٤١) وصححه ووافقه الذهبي؛ كلُّهم من طريق: أبي كثير مولى أُمِّ سلمة، عن أُمِّ سلمة ﵂ قالت: علَّمني رسول الله ﷺ أن أقول عند أذان المغرب … فذكرته، وفي آخره: "أسألك أن تغفر لي". قال الترمذي: "حديث غريب"، وضعفه الألباني "ضعيف الترمذي" رقم (٧٢٤).