والليل آيةٌ، وما حَوَاهُ آيةٌ، والهلَالُ آيةٌ، وتزايده كلَّ ليلةٍ آيةٌ، واتِّساقُهُ - وهو امْتِلَاؤُه نُورًا - آيةٌ، ثُمَّ أَخْذُهُ في النقص آيةٌ. وهذه وأمثالُها آياتٌ دالَّةٌ على ربوبيته، مستلزِمَةٌ للعلم بصفات كماله.
ولهذا شُرِعَ عند إقبال الليل وإدبار النَّهار ذِكْرُ الرَّبِّ - تعالى - بصلاة المغرب، وفي الحديث: "اللهُمَّ هذا إقْبالُ لَيْلِكَ، وإدبارُ نَهَارِكَ، وأصْوَاتُ دُعَاتِك، وحضورُ صَلَوَاتِك"١. كما شُرِعَ ذكر الله بصلاة الفجر عند إدبار الليل وإقبال النَّهار.
ولمَّا كان الرَّبُّ ﵎ يُحْدِثُ عند كلِّ واحدٍ من طَرَفَي إقبال الليل والنَّهار وإدبارِهِما ما يُحْدِثُهُ، ويَبُثُّ من خلقه ما شاء، فينشر
(١) أخرجه: أبو داود في "سننه" رقم (٥٣٠)، والترمذي في "سننه" رقم (٣٥٨٩)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠/ ٢٢٧)، وعبد بن حميد في "المنتخب" رقم (١٥٤١)، وأبو يعلى في "مسنده" رقم (٦٨٩٦)، والطبراني في "الكبير" (٢٣/ ٣٠٣)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ١٩٩) رقم (٧٤١) وصححه ووافقه الذهبي؛ كلُّهم من طريق: أبي كثير مولى أُمِّ سلمة، عن أُمِّ سلمة ﵂ قالت: علَّمني رسول الله ﷺ أن أقول عند أذان المغرب … فذكرته، وفي آخره: "أسألك أن تغفر لي". قال الترمذي: "حديث غريب"، وضعفه الألباني "ضعيف الترمذي" رقم (٧٢٤).
الأرواح الشيطانية عند إقبال الليل١، وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النَّهار، فيُحْدِثُ هذا الانتشارُ في العالَم أثَرَهُ = شرَعَ - سبحانه - في هذين الوقتين هاتين الصلاتين العظيمتين، مع ما في ذلك من ذكره عند هاتين الآيتين المتعاقبتين، وعند انصرام إحداهما واتصال الأخرى بها، مع ما بينهما من التضادِّ والاختلاف، وانتقال الحيوان عند ذلك من حالٍ إلى حالٍ، ومن حكمٍ إلى حكمٍ، وذلك مبدأٌ ومَعَادٌ يوميٌّ، مشهودٌ للخَلِيقَةِ كُلَّ يومٍ وليلةٍ، فالحيوان والنَّبَات في مبدأ ومَعَادٍ، وزمانُ العالَم في مبدأ٢ ومَعَادٍ، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ١٩﴾[العنكبوت: ١٩].
فصل
وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩﴾[الانشقاق: ١٩]؛ الظاهر أنَّه جوابُ القَسَم، ويجوز أن يكون من القَسَمِ المحذوفِ جوابُهُ، و"لتركَبُنَّ" وما بعده مُسْتأْنَفٌ.