الأرواح الشيطانية عند إقبال الليل١، وينشر الأرواح الإنسانية عند إقبال النَّهار، فيُحْدِثُ هذا الانتشارُ في العالَم أثَرَهُ = شرَعَ - سبحانه - في هذين الوقتين هاتين الصلاتين العظيمتين، مع ما في ذلك من ذكره عند هاتين الآيتين المتعاقبتين، وعند انصرام إحداهما واتصال الأخرى بها، مع ما بينهما من التضادِّ والاختلاف، وانتقال الحيوان عند ذلك من حالٍ إلى حالٍ، ومن حكمٍ إلى حكمٍ، وذلك مبدأٌ ومَعَادٌ يوميٌّ، مشهودٌ للخَلِيقَةِ كُلَّ يومٍ وليلةٍ، فالحيوان والنَّبَات في مبدأ ومَعَادٍ، وزمانُ العالَم في مبدأ٢ ومَعَادٍ، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ١٩﴾[العنكبوت: ١٩].
فصل
وقوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩﴾[الانشقاق: ١٩]؛ الظاهر أنَّه جوابُ القَسَم، ويجوز أن يكون من القَسَمِ المحذوفِ جوابُهُ، و"لتركَبُنَّ" وما بعده مُسْتأْنَفٌ.
وقيل: ليست "الباء" للخِطَاب، ولكنها للغَيْبَةِ، أي: لَتَرْكَبَنَّ السماءُ طبقًا بعد طبق.
ومن ضَمَّها؛ فالخطاب للجماعة ليس إلَّا.
فمن جعل الكناية للسماء قال: المعنى: لَتَرْكَبَنَّ السماءُ حالًا بعد حالٍ من حالاتها التي وصفَها اللهُ - تعالى - من الانشقاقِ، والانفطارِ، والطَّيِّ، وكونِها كالمُهْلِ مرَّةً، وكالدِّهَانِ مرَّةً، ومَوَرَانِها، وتَفَتُّحِها، وغير ذلك من حالاتها، وهذا قول عبد الله بن مسعود ﵁٣.
ودلَّ على السماءِ ذِكْرُ الشَّفَقِ والقمر، وعلى هذا فيكون قَسَمًا على المَعَادِ، وتغيُّرِ العالم.
ومن قال: الخطاب للنبيِّ ﷺ؛ فله ثلاثةُ معانٍ:
لَتَرْكَبَنَّ سماءً بعد سماءٍ، حتَّى تنتهي إلى حيث يُصْعِدُكَ اللَّهُ. هذا
(١) في (ز): النبي.
(٢) أخرج البخاري في "صحيحه" رقم (٤٩٤٠) في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩﴾ قال ابن عباس ﵄: "حالًا بعد حال، قال: هذا نبيكم ﷺ"، أي: الخطاب له، كذا قال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٥٨٠). إلا أن ابن كثير استظهر رفعه "تفسيره" (٨/ ٣٥٩).
(٣) أخرجه عنه: عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٣٥٩)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥١٥ - ٥١٦)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥١٨) رقم (٣٩٦٩) وصححه، وضعفه الذهبي. وانظر: "مجمع الزوائد" (٧/ ١٣٥).