وقيل: ليست "الباء" للخِطَاب، ولكنها للغَيْبَةِ، أي: لَتَرْكَبَنَّ السماءُ طبقًا بعد طبق.
ومن ضَمَّها؛ فالخطاب للجماعة ليس إلَّا.
فمن جعل الكناية للسماء قال: المعنى: لَتَرْكَبَنَّ السماءُ حالًا بعد حالٍ من حالاتها التي وصفَها اللهُ - تعالى - من الانشقاقِ، والانفطارِ، والطَّيِّ، وكونِها كالمُهْلِ مرَّةً، وكالدِّهَانِ مرَّةً، ومَوَرَانِها، وتَفَتُّحِها، وغير ذلك من حالاتها، وهذا قول عبد الله بن مسعود ﵁٣.
ودلَّ على السماءِ ذِكْرُ الشَّفَقِ والقمر، وعلى هذا فيكون قَسَمًا على المَعَادِ، وتغيُّرِ العالم.
ومن قال: الخطاب للنبيِّ ﷺ؛ فله ثلاثةُ معانٍ:
لَتَرْكَبَنَّ سماءً بعد سماءٍ، حتَّى تنتهي إلى حيث يُصْعِدُكَ اللَّهُ. هذا
(١) في (ز): النبي.
(٢) أخرج البخاري في "صحيحه" رقم (٤٩٤٠) في قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩﴾ قال ابن عباس ﵄: "حالًا بعد حال، قال: هذا نبيكم ﷺ"، أي: الخطاب له، كذا قال الحافظ في "الفتح" (٨/ ٥٨٠). إلا أن ابن كثير استظهر رفعه "تفسيره" (٨/ ٣٥٩).
(٣) أخرجه عنه: عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٣٥٩)، والطبري في "تفسيره" (١٢/ ٥١٥ - ٥١٦)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥١٨) رقم (٣٩٦٩) وصححه، وضعفه الذهبي. وانظر: "مجمع الزوائد" (٧/ ١٣٥).
قول ابن عباس١ - في رواية مجاهد -، وقول مسروق، والشعبي؛ قالوا: والسماءُ طَبَقٌ، ولهذا يقال للسماوات: السَّبْعُ الطِّبَاقُ.
والمعنى الثاني: لَتَصْعَدَنَّ درجةً بعد درجةٍ، ومنزلةً بعد منزلةٍ، ورتبةً بعد رتبةٍ، حتَّى تنتهي إلى مَحَلِّ القُرْبِ والزُّلْفَى من الله تعالى.
والمعنى الثالث: لَتَرْكَبَنَّ حالًا بعد حالٍ من الأحوالِ المختلفةِ التي نَقَلَ اللهُ فيها رسولَهُ ﷺ، من الهجرةِ، والجهادِ، ونَصْرِهِ على عدوِّهِ، وإدالةِ العدوِّ عليه تارةً، وغناه وفقرِه، وغيرِ ذلك من حالاته التي تنقَّلَ فيها إلى أن بَلَغَ ما بَلَّغَهُ اللهُ إيَّاهُ.
ومن قال: الخطابُ للإنسانِ أو لِجُمْلَةِ النَّاسِ، فالمعنى واحدٌ، وهو تنقُّلُ الإنسانِ حالًا بعد حالٍ، من حين كونه نطفةً إلى مستقرِّه من الجنَّة أو النَّار، فكم بين هذين٢ من الأطباق والأحوال للإنسان.
وأقوالُ المفسِّرين كلُّها تدور على هذا٣؛ قال ابن عباس ﵄: "لَتَصِيرَنَّ الأمورُ حالًا بعد حالٍ".
وقيل: لَتَرْكَبَنَّ أيُّها الإنسانُ حالًا بعد حال، من النُّطْفَةِ إلى العَلَقةِ، إلى المُضْغَةِ، إلى كونه حيًّا، إلى خروجه إلى هذه الدار، ثُمَّ ركوبه طَبَقَ
(١) أخرجه: الطبراني في "الكبير" (١١/ رقم ١١١٧٣)، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". "مجمع الزوائد" (٧/ ١٣٥). وعزاه السيوطي إلى: الطيالسي؛ وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم. "الدر المنثور" (٦/ ٥٤٩).