التمييز بين ما ينفعه ويضرُّهُ، ثُمَّ ركوبه بعد ذلك طبقًا آخر وهو طبق البلوغ، ثُمَّ ركوبه طَبَقَ الأَشُدِّ، ثُمَّ طَبَقَ الشيخوخة، ثُمَّ طبق الهَرَمِ، ثُمَّ ركوبه طبق الموتِ وشأنِهِ، ثُمَّ ركوبه طبق١ ما بعده في البرزخ، وركوبه في أثناء هذه الأحوال أطباقًا عديدةً، لا يزال يتنقَّلُ فيها حالًا بعد حالٍ إلى دار القرار، فذلك٢ آخِرُ أطباقه التي يعلمها العباد، ثُمَّ يفعل الله - سبحانه - بعد ذلك ما يشاء.
واختار أبو عبيد٣ قراءةَ الضَّمِّ٤، وقال: "المعنى بالنَّاس أَشْبَهُ منه بالنبيِّ ﷺ؛ فإنَّه ذكر قبل الآية من يُؤْتَى كتابه بيمينه وشماله، ثُمَّ ذكر بعدها قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٢٠﴾، فذكر كونهم طبقًا بعد طبق".
قال الواحديُّ: "وهذا قول أكثر المفسِّرين، قالوا: لتركَبُنَّ حالًا بعد حالٍ، ومنزلًا بعد منزلٍ، وأمرًا بعد أمرٍ"٥.
قال سعيد بن جبير، وابن زيد: "لتكونُنَّ في الآخرة بعد الأُولَى، ولَتَصِيرُنَّ أغنياءَ بعد الفقر، وفقراءَ بعد الغِنى".
وقال عطاء: "شِدَّةً بعد شِدَّةٍ".
وقال أبو عبيدة: "لتركَبُنَّ سُنَّةَ من كان قبلكم في التكذيب
وأنتَ إذا تأمَّلْتَ هذا المُقْسَمَ به والمُقْسَمَ عليه وجدتَّه من أعظم الآيات الدَّالَّةِ على الربوبية، وتغييرِ الله - سبحانه - العالَم، وتصريفِهِ له كيف أراد، ونقلِهِ إيَّاهُ من حالٍ إلى حالٍ، وهذا محالٌ أن يكون بنفسه من غير فاعِلٍ مدبِّرٍ له، ومحالٌ أن يكون فاعله غير قادرٍ، ولا حَيٍّ، ولا مريدٍ٢، ولا حكيمٍ، ولا عليمٍ، فكلاهما في الامتناع سواء.
فالمقسَمُ به وعليه من أعظم الأدلَّة على ربوبيته، وتوحيدِهِ، وصفاتِ كماله، وصِدْقِه، وصِدْقِ رُسُلِهِ، وعلى المَعَادِ، ولهذا عقَّبَ ذلك بقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٢٠﴾؛ إنكارًا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزِمة لمدلولها أتَمَّ استلزامٍ.
وأنكر عليهم عدم خضوعِهم وسجودِهم للقرآن المشتمِلِ على ذلك بأفصح عبارةٍ، وأبْيَنِها، وأجْزَلِها، وأوجَزِها. فالمعنى أشرف معنىً، والعبارةُ أشرفُ عبارةٍ، غايةُ الحقِّ بغايةِ البيانِ والفصاحةِ.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ٢٢﴾ ولا يصدِّقُون بالحقِّ جحودًا وعنادًا، والله أعلم بما يُضْمِرُون في صدورهم ويكتمونه، وما يسرُّونه من أعمالهم وما يجمعونه، فيجازيهم عليه بعلمه وعدله، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٢٥﴾.