التبيان

والاختلاف على الرُّسُل"١.

وأنتَ إذا تأمَّلْتَ هذا المُقْسَمَ به والمُقْسَمَ عليه وجدتَّه من أعظم الآيات الدَّالَّةِ على الربوبية، وتغييرِ الله - سبحانه - العالَم، وتصريفِهِ له كيف أراد، ونقلِهِ إيَّاهُ من حالٍ إلى حالٍ، وهذا محالٌ أن يكون بنفسه من غير فاعِلٍ مدبِّرٍ له، ومحالٌ أن يكون فاعله غير قادرٍ، ولا حَيٍّ، ولا مريدٍ٢، ولا حكيمٍ، ولا عليمٍ، فكلاهما في الامتناع سواء.

فالمقسَمُ به وعليه من أعظم الأدلَّة على ربوبيته، وتوحيدِهِ، وصفاتِ كماله، وصِدْقِه، وصِدْقِ رُسُلِهِ، وعلى المَعَادِ، ولهذا عقَّبَ ذلك بقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٢٠﴾؛ إنكارًا على من لم يؤمن بعد ظهور هذه الآيات المستلزِمة لمدلولها أتَمَّ استلزامٍ.

وأنكر عليهم عدم خضوعِهم وسجودِهم للقرآن المشتمِلِ على ذلك بأفصح عبارةٍ، وأبْيَنِها، وأجْزَلِها، وأوجَزِها. فالمعنى أشرف معنىً، والعبارةُ أشرفُ عبارةٍ، غايةُ الحقِّ بغايةِ البيانِ والفصاحةِ.

﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ٢٢﴾ ولا يصدِّقُون بالحقِّ جحودًا وعنادًا، والله أعلم بما يُضْمِرُون في صدورهم ويكتمونه، وما يسرُّونه من أعمالهم وما يجمعونه، فيجازيهم عليه بعلمه وعدله، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٢٥﴾.

  1. (١) "مجاز القرآن" (٢/ ٢٩٢).
  2. (٢) في (ز): مدبر.
183

فصل

ومن ذلك إقسامُهُ - سبحانه - ﴿بِالْخُنَّسِ ١٥١ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ١٦ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ١٧ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ١٨﴾ [التكوير: ١٥ - ١٨].

أقْسَمَ - سبحانه - بالنُّجوم في أحوالها الثلاثة؛ في٢: طلوعها، وجريانها، وغروبها. هذا قول: علي، وابن عباس، وعامة المفسِّرين٣، وهو الصواب.

و"الخُنَّس": جمع خَانِس، والخُنُوسُ: الانقباضُ والاختفاءُ، ومنه سُمِّيَ الشيطانُ "خَنَّاسًا" لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبدُ ربَّه. ومنه قول أبي هريرة: "فانْخَنَسْتُ منه"٤.

و"الكُنَّس": جمع كَانِس، وهو الداخل في كِنَاسِهِ، أي: في بيته. ومنه: تكَنَّسَت المرأةُ؛ إذا دَخَلَت في هَوْدَجِها. ومنه: كَنَسَت الظباءُ؛ إذا أَوَتْ إلى أَكْنَاسِها.

  1. (١) في (ن) و(ح) و(م): ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ١٥﴾.
  2. (٢) في (ن) و(ح) و(ط) و(م): من.
  3. (٣) واختاره: أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٨٧)، وابن قتيبة، وقال السمعاني: "وهو المشهور". "تفسيره" (٦/ ١٦٩).
    ونسبه إلى الجمهور: ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١٥/ ٣٣٩)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ١٩٢).
    قال ابن كثير: "وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنُّجوم: "الخُنَّس" أي: في حال طلوعها، ثم هي جَوارٍ في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها: "كُنَّس"؛ من قول العرب: أَوَى الظبْيُ إلى كِنَاسِه: إذا تغيَّبَ فيه". "تفسيره" (٨/ ٣٣٧).
  4. (٤) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٢٧٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٣٧١).
184

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي