التبيان

فصل

ومن ذلك إقسامُهُ - سبحانه - ﴿بِالْخُنَّسِ ١٥١ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ١٦ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ١٧ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ١٨﴾ [التكوير: ١٥ - ١٨].

أقْسَمَ - سبحانه - بالنُّجوم في أحوالها الثلاثة؛ في٢: طلوعها، وجريانها، وغروبها. هذا قول: علي، وابن عباس، وعامة المفسِّرين٣، وهو الصواب.

و"الخُنَّس": جمع خَانِس، والخُنُوسُ: الانقباضُ والاختفاءُ، ومنه سُمِّيَ الشيطانُ "خَنَّاسًا" لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبدُ ربَّه. ومنه قول أبي هريرة: "فانْخَنَسْتُ منه"٤.

و"الكُنَّس": جمع كَانِس، وهو الداخل في كِنَاسِهِ، أي: في بيته. ومنه: تكَنَّسَت المرأةُ؛ إذا دَخَلَت في هَوْدَجِها. ومنه: كَنَسَت الظباءُ؛ إذا أَوَتْ إلى أَكْنَاسِها.

  1. (١) في (ن) و(ح) و(م): ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ١٥﴾.
  2. (٢) في (ن) و(ح) و(ط) و(م): من.
  3. (٣) واختاره: أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٨٧)، وابن قتيبة، وقال السمعاني: "وهو المشهور". "تفسيره" (٦/ ١٦٩).
    ونسبه إلى الجمهور: ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١٥/ ٣٣٩)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ١٩٢).
    قال ابن كثير: "وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنُّجوم: "الخُنَّس" أي: في حال طلوعها، ثم هي جَوارٍ في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها: "كُنَّس"؛ من قول العرب: أَوَى الظبْيُ إلى كِنَاسِه: إذا تغيَّبَ فيه". "تفسيره" (٨/ ٣٣٧).
  4. (٤) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٢٧٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٣٧١).
184

و"الجَوَاري": جمع جارية، كـ "غاشية" وغَوَاشٍ.

قال علي بن أبي طالب ﵁: "النُّجُومُ تَخْنِسُ بالنَّهارِ، وتظهر بالليل"١.

وهذا قول: مقاتل٢، وعطاء، وقتادة، وغيرهم٣. قالوا: الكواكب تَخْنِسُ بالنَّهار، فتختفي ولا تُرَى، وتَكْنِسُ في وقت غروبها.

ومعنى "تَخْنِس" - على هذا القول -: تتأَخَّر عن البصر، وتَتَوَارَى عنه بإخفاء النَّهار لها.

وفيه قولٌ آخر؛ وهو أنَّ خنوسَها رجوعُها، وهي حركتها المشرقية٤، فإنَّ لها حركتين: حركةً بفَلَكِها، وحركةً بنفسها، فخُنُوسُها: حركتُها بنفسها٥ راجعةً، وعلى هذا فهو قَسَمٌ بنوعٍ من الكواكب، وهي "السيَّارة"، وهذا قول الفرَّاء٦.

  1. (١) أخرجه: الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٦٧)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥١٥) رقم (٣٩٥٩) وصححه ووافقه الذهبي.
    وعزاه السيوطي إلى: سعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم. "الدر المنثور" (٦/ ٥٢٨).
    وانظر: "المطالب العالية" (١٥/ ٢٦٩ - ٢٧٧).
  2. (٢) "تفسيره" (٣/ ٤٥٦).
  3. (٣) وهو قول: الحسن البصري، ومجاهد، وابن زيد، والسُّدِّي، وبكر بن عبد الله المزني، وغيرهم.
    انظر: "الجامع" (١٩/ ٢٣٤)، و"تفسير ابن كثير" (٨/ ٣٣٦).
  4. (٤) في (ح) و(م): الشرقية.
  5. (٥) قوله: "فخنوسها حركتها بنفسها"؛ ساقط من (ز) و(ن) و(ط).
  6. (٦) "معاني القرآن" (٣/ ٢٤٢).
185

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي