أقْسَمَ - سبحانه - بالنُّجوم في أحوالها الثلاثة؛ في٢: طلوعها، وجريانها، وغروبها. هذا قول: علي، وابن عباس، وعامة المفسِّرين٣، وهو الصواب.
و"الخُنَّس": جمع خَانِس، والخُنُوسُ: الانقباضُ والاختفاءُ، ومنه سُمِّيَ الشيطانُ "خَنَّاسًا" لانقباضه وانكماشه حين يذكر العبدُ ربَّه. ومنه قول أبي هريرة: "فانْخَنَسْتُ منه"٤.
و"الكُنَّس": جمع كَانِس، وهو الداخل في كِنَاسِهِ، أي: في بيته. ومنه: تكَنَّسَت المرأةُ؛ إذا دَخَلَت في هَوْدَجِها. ومنه: كَنَسَت الظباءُ؛ إذا أَوَتْ إلى أَكْنَاسِها.
(١) في (ن) و(ح) و(م): ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ١٥﴾.
(٢) في (ن) و(ح) و(ط) و(م): من.
(٣) واختاره: أبو عبيدة في "مجاز القرآن" (٢/ ٢٨٧)، وابن قتيبة، وقال السمعاني: "وهو المشهور". "تفسيره" (٦/ ١٦٩). ونسبه إلى الجمهور: ابن عطية في "المحرر الوجيز" (١٥/ ٣٣٩)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ١٩٢). قال ابن كثير: "وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنُّجوم: "الخُنَّس" أي: في حال طلوعها، ثم هي جَوارٍ في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها: "كُنَّس"؛ من قول العرب: أَوَى الظبْيُ إلى كِنَاسِه: إذا تغيَّبَ فيه". "تفسيره" (٨/ ٣٣٧).
(٤) أخرجه: البخاري في "صحيحه" رقم (٢٧٩)، ومسلم في "صحيحه" رقم (٣٧١).
و"الجَوَاري": جمع جارية، كـ "غاشية" وغَوَاشٍ.
قال علي بن أبي طالب ﵁: "النُّجُومُ تَخْنِسُ بالنَّهارِ، وتظهر بالليل"١.
وهذا قول: مقاتل٢، وعطاء، وقتادة، وغيرهم٣. قالوا: الكواكب تَخْنِسُ بالنَّهار، فتختفي ولا تُرَى، وتَكْنِسُ في وقت غروبها.
ومعنى "تَخْنِس" - على هذا القول -: تتأَخَّر عن البصر، وتَتَوَارَى عنه بإخفاء النَّهار لها.
وفيه قولٌ آخر؛ وهو أنَّ خنوسَها رجوعُها، وهي حركتها المشرقية٤، فإنَّ لها حركتين: حركةً بفَلَكِها، وحركةً بنفسها، فخُنُوسُها: حركتُها بنفسها٥ راجعةً، وعلى هذا فهو قَسَمٌ بنوعٍ من الكواكب، وهي "السيَّارة"، وهذا قول الفرَّاء٦.
(١) أخرجه: الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٦٧)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥١٥) رقم (٣٩٥٩) وصححه ووافقه الذهبي. وعزاه السيوطي إلى: سعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم. "الدر المنثور" (٦/ ٥٢٨). وانظر: "المطالب العالية" (١٥/ ٢٦٩ - ٢٧٧).
(٢) "تفسيره" (٣/ ٤٥٦).
(٣) وهو قول: الحسن البصري، ومجاهد، وابن زيد، والسُّدِّي، وبكر بن عبد الله المزني، وغيرهم. انظر: "الجامع" (١٩/ ٢٣٤)، و"تفسير ابن كثير" (٨/ ٣٣٦).
(٤) في (ح) و(م): الشرقية.
(٥) قوله: "فخنوسها حركتها بنفسها"؛ ساقط من (ز) و(ن) و(ط).