قال علي بن أبي طالب ﵁: "النُّجُومُ تَخْنِسُ بالنَّهارِ، وتظهر بالليل"١.
وهذا قول: مقاتل٢، وعطاء، وقتادة، وغيرهم٣. قالوا: الكواكب تَخْنِسُ بالنَّهار، فتختفي ولا تُرَى، وتَكْنِسُ في وقت غروبها.
ومعنى "تَخْنِس" - على هذا القول -: تتأَخَّر عن البصر، وتَتَوَارَى عنه بإخفاء النَّهار لها.
وفيه قولٌ آخر؛ وهو أنَّ خنوسَها رجوعُها، وهي حركتها المشرقية٤، فإنَّ لها حركتين: حركةً بفَلَكِها، وحركةً بنفسها، فخُنُوسُها: حركتُها بنفسها٥ راجعةً، وعلى هذا فهو قَسَمٌ بنوعٍ من الكواكب، وهي "السيَّارة"، وهذا قول الفرَّاء٦.
(١) أخرجه: الطبري في "تفسيره" (١٢/ ٤٦٧)، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٥١٥) رقم (٣٩٥٩) وصححه ووافقه الذهبي. وعزاه السيوطي إلى: سعيد بن منصور، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم. "الدر المنثور" (٦/ ٥٢٨). وانظر: "المطالب العالية" (١٥/ ٢٦٩ - ٢٧٧).
(٢) "تفسيره" (٣/ ٤٥٦).
(٣) وهو قول: الحسن البصري، ومجاهد، وابن زيد، والسُّدِّي، وبكر بن عبد الله المزني، وغيرهم. انظر: "الجامع" (١٩/ ٢٣٤)، و"تفسير ابن كثير" (٨/ ٣٣٦).
(٤) في (ح) و(م): الشرقية.
(٥) قوله: "فخنوسها حركتها بنفسها"؛ ساقط من (ز) و(ن) و(ط).
(٦) "معاني القرآن" (٣/ ٢٤٢).
وفيه قولٌ ثالثٌ؛ وهو أنَّ خُنُوسَها وكُنُوسَها: اختفاؤُها١ وقتَ مغيبها، فتغيب في مواضعها التي تغيب فيها٢، وهذا قول الزجَّاج٣.
ولمَّا كان للنُّجُوم حال٤ ظهورٍ، وحال٥ اختفاءٍ، وحال جريانٍ، وحال غروبٍ - أقسَمَ - سبحانه - بها في أحوالها كلِّها، ونبَّه بخُنُوسِها على حال ظهورها؛ لأنَّ "الخُنُوس" هو الاختفاء بعد الظهور، ولا يقال لِمَا لم يزل مختفيًا: أنَّه قد خَنَس. فذكر - سبحانه - جريانَها وغروبَها صريحًا، وخنوسَها وظهورَها، واكتفى من ذِكْرِ طُلُوعِها بجريانها الذي مبدؤُهُ الطُّلُوع، فالطُّلُوع أوَّلُ جريانها.
فتضمَّنَ القَسَمُ: طُلُوعَها، وغروبَها، وظهورَها، واختفاءَها، وذلك من آياته ودلائل ربوبيته.
وليس قول من فسَّرَها بـ "الظِّبَاء"، و"بَقَر الوحش"٦ بالظاهر؛ لوجوه:
أحدها: أنَّ هذه الأحوال في الكواكب السيَّارة أعظمُ آيةً وعبرةً.
(١) قبل كلمة (اختفاؤها) واو في (ن) و(ط)، وهي مقحمة.
(٢) من قوله: "وهذا قول الفرَّاء. . ." إلى هنا؛ ساقط من (ز).
(٣) "معاني القرآن" (٥/ ٢٩١).
(٤) ساقط من (ز).
(٥) ساقط من (ز) و(ن) و(ط).
(٦) فسَّرها بـ "الظباء": ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والضحَّاك، وجابر بن زيد. وفسَّرها بـ "بقر الوحش": ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وإبراهيم النخعي. انظر: "جامع البيان" (١٢/ ٤٦٧)، و"الجامع" (١٩/ ٢٣٤)، و"تفسير ابن كثير" (٨/ ٣٣٧).